راكبي “قوارب الموت” بين الأحلام و حقيقة الفواجع

  • بتاريخ : يوليو 24, 2021 - 10:20 م
  • الزيارات : 245
  • مليكة بوخاري

    أرواح عديدة تزهق في رحلة البحث عن فردوس الأحلام في الضفة الشمالية من المتوسط ، وصولا لعالم أحلام مفترض هروبا من الفقر و البطالة و الضياع الاقتصادي و القهر الاجتماعي أو السياسي أو هما معا ، فقد لقي ما لا يقل عن 1.146 شخصا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا عن طريق البحر الأبيض المتوسط ، خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2021 وحدها ، وفق حصيلة قدمتها المنظمة الدولية للهجرة .
    و هكذا فقد سجلت سنة 2021 ، موت أحلام من مختلف الأعمار في رحلة ركوب “الموت” للوصول إلى أوروبا عبر مختلف بوابات المتوسط ، التي سجلت 896 حالة وفاة خلال ستة أشهر فقط ، مما يجعل هاته النقطة من أخطر طرق الهجرة البحرية في جميع أنحاء العالم ، على اعتبار أن 741 شخصا قضوا أثناء محاولتهم العبور من هاته النقطة القاتلة ، فيما بلغت نسبة الموت عبر البوابة الغربية للمتوسط 149 شخصا ، فيما حصد الشرق ستة أرواح .
    و سجلت المنظمة ارتفاع نسبة محاولة العبور إلى أوربا عبر هاته البوابة و التي بلغت 58 % خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غاية يونيو من سنة 2021 مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2020 .
    أرقام جعلت “أنطونيو فيتورينو” ، المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة ، يدق ناقوس الخطر و يحث الدول على ضرورة “اتخاذ خطوات عاجلة و استباقية للحد من الخسائر في الأرواح على طرق الهجرة البحرية إلى أوروبا و الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي” .
    فمحاولة الهجرة إلى “جزر الكاناري” لوحدها ، حصدت حوالي 250 شخصا ، خلال نفس الفترة ، و هي أرقام صادمة ، لكنها مهيأة لتكون أكثر و أفظع مع حالات التبليغ عن قوارب محطمة في المحيط الأطلسي لم يتم رصدها من طرف الدوائر الرسمية .
    فيما سجل ارتفاع في نسب اعتراض “قوارب الموت” ، و عمليات الإنقاذ التي بوشرت في عرض البحر لأكثر من 31.500 شخصا خلال النصف الأول من سنة 2021 ، و هي نسبة تبقى الأعلى إذا ما قورنت مع نفس الفترة من السنة الفارطة ، حيث سجل 23.117 فقط .
    أرقام مقلقة يزيد من قساوة وطأتها تعرض الناجين من المهاجرين السريين للاحتجاز و المعاملة السيئة أو الابتزاز و التعذيب ، في نقط العبور ، كما هو الحال في ليبيا .
    المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة دعا إلى تقوية جهود البحث و الإنقاذ و إنشاء آليات يمكن التنبؤ بها للإنزال و ضمان الوصول إلى مسارات الهجرة الآمنة و القانونية ، لحسر الأعداد الهائلة من الضحايا الذين يسقطون عبر بوابات الموت السرية المتواجدة على طول البحر الأبيض المتوسط و المحيط الأطلسي ، و آخرها موت 45 شخصا غرقا ، ضمنهم خمسة أطفال ، من أصل 80 شخصا كانوا على مثن أحد هاته القوارب ، بعد انفجار محرّكه قبالة ساحل مدينة “زوارة” بغرب ليبيا ، فيما تعرض 37 الناجون منهم للاحتجاز بعد إنقاذهم من قبل الصيادين المحليين .
    و كانت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين و المنظمة الدولية للهجرة قد قالتا ، في وقت سابق ، “نخشى أنه بدون زيادة عاجلة في قدرات البحث و الإنقاذ ، قد يؤدي ذلك إلى حدوث كارثة أخرى مماثلة للحوادث التي شهدت خسائر كبيرة في الأرواح وسط البحر المتوسط قبل إطلاق عملية (بحرنا)” .
    و عملية “بحرنا” (Mare Nostrum) هي العملية التي قامت بها السلطات الإيطالية ابتداء من شهر أكتوبر من سنة 2013 و التي مكنت حينها من إنقاذ نحو 150 ألف لاجئ و مهاجر عبر سواحل البحر الأبيض المتوسط ، لكنها توقفت سنة بعد ذلك .
    المنظمتان الأمميتان قلقتان من تأخر جهود الإنقاذ و الإنزال ، و تدعوان جميع الدول إلى السرعة في الاستجابة لطلبات الإنقاذ و الاستغاثة التي تطلق ، و تحثان هاته الدول على توفير ميناء آمن للناجين من عباب البحر ، إذ قالتا “عندما تكون السفن التجارية هي أقرب قارب قادر على تنفيذ عملية الإنقاذ ، يجب تزويدها على الفور بميناء آمن لإنزال الركاب الذين تم إنقاذهم” .
    كما طالبت المنظمتان بضرورة حماية المهاجرين و طالبي اللجوء من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي يتعرضون لها ، و تجنيبهم الاحتجاز التعسفي ، و بدل أقصى الجهود لمكافحة الاتجار بالبشر ، حيث قالتا “ينبغي أن يشمل ذلك مكافحة و وضع حد لعصابات التهريب التي تقودها الجماعات الإجرامية لمنع المزيد من الاستغلال و الانتهاكات” .
    و يبقى غياب حلول جذرية في دول منبع الهجرة لا يفتح الأبواب إلا على المزيد من هاته القوارب و رحلة البحث عن المجهول الآمن وسط هول أمواج تبتلع راكبيها ، في ظل واقع صعب يعيشه الملايين من الناس في بلدانهم الأصلية ، و التي تشكل وصمة عار في جبين الإنسانية ، و التي تعكس انحدار منظومات القيم الإنسانية المعاصرة ، من خلال مشاهد مؤلمة لمفقودين أو موتى تبتلعهم أمواج البحر بشكل دائم ، و هم الذين ركبوه هروبا من واقع الإحباط الرسمي و المؤسساتي و سياسة إشعال الحروب و إثارة الفتن و النعرات القبلية و الطائفية ، و التي حولت العالم “المتحضر” إلى “حلبة مصارعة” ضحاياها أطفال و نساء من مختلف الأعمار و الأجناس ، و التي غدتها ظاهرة كورونا بتداعياتها الاقتصادية و الاجتماعية التي وسعت حالة اليأس و دفعت المزيد من الناس إلى المغامرة و ركوب الموت المتحرك في مسعى لتحقيق حلم ومستقبل مجهول .
    مغامرة تعني ركوبا لقوارب موت محقق دافعه انتشار قيم البؤس الرسمي و غياب أدنى مقومات العيش الكريم ، و التي تزيد من حدتها تفشي سلطة القمع و المنع من التعبير حتى عن الرفض لهذا الواقع ، و هو ما أدى إلى شيوع قيم الإحباط و اليأس لدى شريحة عريضة من المواطنين الذين طالتهم الأزمة ، و ارتماء الحكومات في أحضان توجيهات المؤسسات المالية العالمية التي لا توزع إلا الفقر و الجهل و الاستلاب ، و التي زادتها كورونا استفحالا مع حضور الهاجس الأمني لدى السلطات و استغلال شبكات الهجرة السرية و الاتجار بالبشر الوضع لمزيد من توسيع دائرة نشاطها ، خاصة و أن الوضع القائم يدفع صغار البحارة لبيع قواربهم لتلك الشبكات الإجرامية المنظمة ، و هو ما يعكس هذا الارتفاع المسجل في النسب ، إضافة إلى أن الظاهرة لقيت شيوعا لدى مختلف شرائح المجتمع و شكلت هاجسا يوميا لكل فئات المجتمع الهشة و العاطلين عن العمل ، خاصة الشباب منهم ، و توسعت لتشمل النساء و القاصرين و الأطفال ، بل أن الظاهرة انتقلت لتصل الطبقة المتوسطة نفسها التي وجدت نفسها في أثون الأزمة ، بل أننا أصبحنا أمام ظاهرة جديدة تتمثل في الهجرة الجماعية العائلية .
    إن الوضع المأساوي الذي تشهده بحار العالم ، و خاصة في المتوسط ، لترسم صورة سقوط قيم الإنسان ، لفائدة ارتفاع قيم الدولار و اليورو و الين و هلم جرا ، مصالح نفعية أفقرت الشعوب و جعلتها في لغة الخطاب الرسمي مجرد كابسولات لأداء بذخ الحكومات الرسمي ، و جنون الفساد و القمع و المنع الذي خلف إحباطا شعبيا لا مفر لتجاوزه إلا بركوب بحر “الموت المتحرك” للوصول لعالم الأحلام القاتل لهاته الأحلام أصلا ، و لكن بمؤامرة رسمية دولية لسلخ و ذبح كل ما هو جميل مما تبقى من إنسانية ممسوخة .