جمال بلـــــة
تخليدا للذكرى الحادية والعشرين لانطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، احتضنت مدينة تازة،احتضنت مدينة تازة، صباح يوم الثلاثاء 12 ماي 2026، ندوة وطنية علمية وفكرية تحت عنوان “التنمية البشرية والسياسات العمومية بالمغرب”، في محطة أكاديمية شكلت مناسبة لفتح نقاش معمق حول رهانات التنمية والعدالة المجالية والاجتماعية، واستشراف آفاق تطوير السياسات العمومية بالمملكة، بما ينسجم مع متطلبات العدالة المجالية والاجتماعية والتنمية المستدامة.
الندوة، التي نظمتها جمعية الباحثين الشباب في الجغرافيا بشراكة مع المركز المغربي للدراسات القانونية والمجالية والتنموية والجماعة الترابية لتازة، احتضنتها قاعة غرفة التجارة والصناعة والخدمات، بحضور نخبة من الأساتذة الباحثين والفاعلين المؤسساتيين ومهتمين بقضايا التنمية والسياسات العمومية، وسط تفاعل لافت ونقاشات أكاديمية همت مختلف التحولات المجالية والاجتماعية التي يشهدها المغرب.

وافتتحت السيدة فاطمة غميمض، رئيسة جمعية الباحثين الشباب في الجغرافيا، أشغال الندوة بكلمة ترحيبية ركزت فيها على الدلالة الرمزية لتنظيم هذه التظاهرة العلمية في موضوع التنمية البشرية والسياسات العمومية، تخليدا للذكرى الحادية والعشرين لانطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وأبرزت غميمض أهمية الشراكة القائمة مع المركز المغربي للدراسات القانونية والمجالية والتنموية والجماعة الترابية لتازة في إخراج هذا الحدث العلمي، مؤكدة أن الندوة تهدف إلى تسليط الضوء على تقاطع السياسات العمومية مع قضايا التنمية البشرية من منظور جغرافي وأكاديمي.
كما شددت المتحدثة على أهمية دور الباحثين الشباب في تقديم قراءات نقدية واقتراحات عملية من شأنها الإسهام في تجويد البرامج التنموية وتحقيق العدالة المجالية، معربة عن اعتزازها بالدينامية الفكرية والعلمية التي تشهدها مدينة تازة، باعتبارها حاضنة لمثل هذه النقاشات الوطنية الوازنة، وموجهة في الآن ذاته عبارات الشكر والتقدير إلى مختلف الأساتذة والباحثين والمؤسسات الشريكة التي ساهمت في إنجاح هذا المحفل العلمي.

وعرفت أشغال اللقاء مشاركة أكاديمية وازنة، حيث أشرف على تنسيق محاوره العلمية كل من ذ.محمد أبهور، ذ.جواد البزوي، ذ.علي نظامة، ذة.فاطمة غميمض، محمد قنوف ومحمد الفزيقي، فيما تولى الأستاذ عبد الواحد بوبية تسيير الجلسة الافتتاحية التي اتسمت بحيوية النقاش وتعدد المقاربات الفكرية والتنموية.
وفي كلمة ألقاها باسم لجنة تنسيق الندوة الوطنية، رحب الدكتور جواد البزوي بكافة المشاركين والباحثين والفاعلين المؤسساتيين الحاضرين، مؤكدا أن اختيار موضوع التنمية البشرية والسياسات العمومية ينبع من وعي علمي راسخ بكونه يشكل ركيزة أساسية لبناء الدولة الاجتماعية وتحقيق التنمية المستدامة، وأوضح البزوي أن هذا اللقاء العلمي يهدف إلى تقديم وقفة تقييمية للمسار الذي قطعته المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعد مرور واحد وعشرين سنة على إطلاقها كورش ملكي رائد، مع استشراف آفاق تطوير التدخل العمومي بما يضمن النجاعة والإنصاف وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية.
كما أبرز المتحدث القيمة الأكاديمية للندوة الوطنية، مبرزا طابعها “البين-تخصصي” وانفتاحها على مختلف الحقول المعرفية، وفي مقدمتها الجغرافيا والقانون والعلوم الاجتماعية، مشيدا بغنى البرنامج العلمي الذي يضم أكثر من خمسين مداخلة لباحثين وأكاديميين من مختلف الجامعات المغربية، وأضاف أن أشغال الندوة تتوزع على سبع جلسات علمية تناقش قضايا الحكامة الترابية، والإدماج الاقتصادي، والعدالة المجالية، إضافة إلى رهانات التنمية البشرية والسياسات العمومية في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
وفي هذا السياق، عبر الدكتور محمد الرفيق، رئيس المركز المغربي للدراسات القانونية والمجالية والتنموية، في كلمته خلال الندوة الوطنية، عن اعتزازه بالمشاركة في هذا اللقاء العلمي الذي يتزامن مع الذكرى الحادية والعشرين لانطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مشيدا بحصيلتها الإيجابية وما حققته من منجزات ملموسة على مستوى تحسين الأوضاع الاجتماعية وتعزيز التنمية المحلية. وأوضح أن انخراط المركز في تنظيم هذه الندوة، إلى جانب الجماعة الترابية لتازة وجمعية الباحثين الشباب في الجغرافيا، يأتي امتدادا للدينامية العلمية والفكرية التي ينهجها المركز في معالجة القضايا التنموية والقانونية ذات الراهنية.
كما أعلن الدكتور محمد الرفيق عن عزم المركز على نشر أشغال هذه الندوة ضمن المجلات العلمية المتخصصة التابعة له، بهدف توثيق المداخلات والأفكار التي تم تداولها وإتاحة نتائجها للباحثين والمهتمين بقضايا التنمية والسياسات العمومية، واختتم كلمته بتوجيه الشكر إلى كافة الأكاديميين والباحثين والمؤسسات الداعمة، معربا عن أمله في أن تفضي النقاشات العلمية إلى صياغة توصيات عملية تشكل خارطة طريق لتطوير السياسات العمومية وتحسين ظروف عيش المواطنين.
من جانبه، استعرض السيد زكريا البيوسفي، رئيس قسم العمل الاجتماعي بعمالة إقليم تازة، في مداخلته خلال الندوة الوطنية، فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باعتبارها ورشا ملكيا مستداما يرتكز على صون كرامة المواطن والاستثمار في الرأسمال البشري، مبرزا الأبعاد الاجتماعية والتنموية التي تقوم عليها المبادرة منذ إطلاقها، كما قدم عرضا حول الحصيلة النوعية للمنجزات المحققة على مستوى الإقليم، مسلطا الضوء على برامج المرحلة الثالثة وما تضمنته من مشاريع ومبادرات اجتماعية وتنموية.
وأوضح البيوسفي أن هذه المرحلة شهدت تدشين عدد من المراكز المتخصصة، من بينها مراكز الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بتازة، وتاهلة، إلى جانب دعم التعليم الأولي، واقتناء حافلات للنقل المدرسي بهدف الحد من الهدر المدرسي وتعزيز تمدرس الأطفال بالعالم القروي، كما أشار إلى دعم منصات الشباب وبرامج الإدماج الاقتصادي وتمويل المشاريع المدرة للدخل، وهي المبادرات التي ساهمت، بحسب المتحدث، في تقليص الفوارق المجالية وتحسين مؤشرات التنمية البشرية بإقليم تازة.

وفي السياق ذاته، أكد السيد خالد الصنهاجي، نائب رئيس المجلس الجماعي لتازة، في كلمته خلال الندوة الوطنية، أن موضوع التنمية البشرية والسياسات العمومية يكتسي أهمية بالغة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها المملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأبرز الصنهاجي الدور المحوري الذي تضطلع به الجماعات الترابية باعتبارها فاعلا رئيسيا في إعداد وتنزيل السياسات العمومية، مشددا على ضرورة جعل الإنسان في صلب كل الاستراتيجيات التنموية بما يعزز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
وأشار المتحدث إلى أن السياسات العمومية أصبحت اليوم أداة استراتيجية لتحقيق الإدماج المجالي وتقليص الفوارق الاجتماعية والترابية، وهو ما يفرض على الجماعات الترابية الانتقال نحو نموذج تدبير تنموي حديث قائم على التخطيط الاستراتيجي والالتقائية والشراكة الفاعلة مع المجتمع المدني ومراكز البحث العلمي، بهدف تأهيل الرأسمال البشري وبناء بيئة محلية تستجيب للحاجيات الحقيقية للساكنة وتواكب التحولات التنموية المتسارعة.

وتناولت المداخلات العلمية المقدمة خلال الندوة عدة محاور مرتبطة بالتنمية البشرية والسياسات العمومية، من أبرزها العدالة المجالية وتقليص الفوارق الاجتماعية والترابية، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، إضافة إلى قضايا التنمية المستدامة والإدماج الاقتصادي والاجتماعي. كما ناقش المتدخلون أهمية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره رافعة للتنمية المحلية، إلى جانب دور التحول الرقمي في تحديث الإدارة وتحسين جودة الخدمات العمومية وتعزيز الحكامة الترابية.
كما سلطت النقاشات الضوء على التحديات المرتبطة بالتحولات الديموغرافية وما تفرضه من رهانات جديدة على مستوى التخطيط الترابي وتدبير الحاجيات الاجتماعية والتنموية المتزايدة، حيث أكد المشاركون أن نجاح السياسات العمومية الاجتماعية يظل رهينا بمدى انخراط مختلف الفاعلين المؤسساتيين والترابيين والجمعويين في تنزيل البرامج التنموية وفق مقاربة تشاركية وتكاملية تضع الإنسان في صلب العملية التنموية.

وشهدت فعاليات الندوة الوطنية كذلك لحظة تكريمية مميزة، تم خلالها الاحتفاء بالفاعلة الجمعوية فاطمة الجابري، رئيسة جمعية المبادرة الوطنية للتنمية والنهوض بالمرأة القروية، تقديرا للمجهودات الكبيرة التي تبذلها في مجال العمل الجمعوي والتطوعي، خاصة في ما يتعلق بدعم النساء بالعالم القروي وتعزيز المبادرات الاجتماعية والتنموية الهادفة إلى تحسين أوضاع الفئات الهشة وتمكين المرأة القروية اقتصاديا واجتماعيا.
وجاء هذا التكريم ضمن أشغال الندوة الوطنية العلمية والفكرية المنظمة من طرف جمعية الباحثين الشباب في الجغرافيا، واعتبر عدد من الحاضرين أن هذا التكريم يعكس الاعتراف بالدور المحوري الذي تضطلع به الفعاليات الجمعوية في مواكبة الأوراش التنموية والمساهمة في ترسيخ قيم التضامن والعمل الاجتماعي، خاصة داخل المناطق القروية التي تعرف تحديات تنموية واجتماعية متعددة، كما نوه المتدخلون بالدينامية التي تقودها الجمعيات المدنية في تعزيز التنمية البشرية وتقوية آليات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، انسجاما مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تحقيق العدالة المجالية والتنمية المستدامة.
من جهتها، عبرت فاطمة الجابري عن اعتزازها بهذا التكريم، معتبرة إياه حافزا لمواصلة العمل الميداني والتطوعي خدمة لقضايا المرأة القروية والتنمية المحلية، ومؤكدة أن العمل الجمعوي يظل شريكا أساسيا في دعم السياسات العمومية وتحقيق التنمية البشرية المنشودة.
واختتمت أشغال هذه الندوة الوطنية وسط إشادة واسعة بقيمة النقاشات العلمية والفكرية التي شهدتها، حيث اعتبر المشاركون أن مثل هذه اللقاءات تساهم في تعميق التفكير الجماعي حول سبل تحقيق تنمية بشرية عادلة ومستدامة، قادرة على تكريس مبادئ العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي وتعزيز التنمية الشاملة بالمغرب.
















إرسال تعليق