جمال بلة
تحتفظ مدينة تازة، كغيرها من المدن المغربية العريقة، بذاكرة رمضانية غنية بالتقاليد والعادات التي توارثتها الأجيال عبر عقود طويلة، وبين الماضي والحاضر، حيث عرفت الطقوس الرمضانية بالمدينة تحولات عديدة، إلا أن روح الشهر الفضيل ما تزال حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية لساكنتها.
في الماضي، كان رمضان بتازة مناسبة اجتماعية بامتياز، حيث كانت الأحياء الشعبية تعيش على إيقاع التضامن والتآزر بين الجيران، فقبل أذان المغرب بدقائق، كانت رائحة الشباكية والبغرير والحريرة تفوح من البيوت، فيما تتبادل الأسر الأطباق فيما بينها في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية التي كانت تجمع سكان الحي الواحد.
كما كان للمساجد دور محوري في إحياء الأجواء الرمضانية، حيث يتوافد المصلون بكثافة لأداء صلاتي العشاء والتراويح، قبل أن تمتد السهرات الروحانية إلى ساعات متأخرة من الليل، تتخللها تلاوة القرآن الكريم وحلقات الذكر والدروس الدينية، ولم تكن الأسواق بدورها بعيدة عن هذه الأجواء، إذ كانت تعرف حركة تجارية نشطة مع إقبال المواطنين على اقتناء مستلزمات الإفطار والحلويات التقليدية.
ومن الطقوس التي طبعت رمضان في تازة خلال الماضي، حضور “النفّار” الذي كان يجوب الأزقة قبل الفجر لإيقاظ الناس لتناول وجبة السحور، في تقليد اجتماعي ظل راسخا في ذاكرة العديد من الأسر التازية.
أما اليوم، فقد تغيرت بعض ملامح هذه الطقوس بفعل التحولات الاجتماعية وأنماط العيش الحديثة، فوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا من السهرات الرمضانية لدى العديد من الأسر، كما تغيرت طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الأحياء، حيث لم تعد نفس مظاهر التزاور وتقاسم الأطباق حاضرة بالقوة التي كانت عليها في الماضي.
ورغم هذه التحولات، ما تزال العديد من العادات الرمضانية حاضرة في حياة ساكنة تازة، خاصة ما يتعلق بإعداد الأطباق التقليدية، والإقبال الكبير على المساجد خلال صلاتي التراويح والقيام، إضافة إلى الأجواء الخاصة التي تعيشها الأسواق قبيل الإفطار.
ويؤكد عدد من أبناء المدينة أن رمضان في تازة يظل مناسبة تجمع بين الأصالة والتجدد، حيث تحافظ المدينة على جزء مهم من طقوسها التقليدية، في الوقت الذي تواكب فيه التحولات الاجتماعية التي فرضها العصر.
وهكذا، يبقى رمضان في مدينة تازة موسما روحيا واجتماعيا مميزا، تتقاطع فيه ذكريات الماضي مع ملامح الحاضر، في لوحة تعكس غنى التراث الثقافي والاجتماعي الذي تزخر به هذه المدينة العريقة.















إرسال تعليق