جمال بلة
تختلط السياسة في تازة، بصمت انتظار التزكيات، حيث تدور حرب غير معلنة، حرب التزكيات التي لا ترى بالعين المجردة بقدر ما تسمع أصداؤها في همسات المقاهي وصفحات بعض المنابر المتعجلة، فهناك يختنق الحبر أحيانا قبل أن يصل إلى الحقيقة، تصنع الأخبار على عجل، وتلقى الإشاعات كطعم في بحر متلاطم من التأويلات، بحثا عن سبق صحفي لا يسنده واقع.
كلما ضاق الأفق أمام بعض الأقلام، اتجهت نحو أسهل الطرق لتضخيم المجهول، وصناعة حدث من فراغ، وتحويل التزكيات إلى مادة للجدل، كأنها تمنح بالضجيج لا بالقرار، وكأن السياسة تدار في الكواليس المظلمة للإشاعة، لا داخل مؤسسات لها قواعدها وموازينها الدقيقة.
في هذا المناخ، يصبح الصمت تهمة، ويساء فهم الرزانة على أنها ضعف، بينما الحقيقة أبسط من كل هذا التعقيد المفتعل، ليس كل من كتب أصاب، وليس كل من تساءل كان يبحث عن الجواب، هناك من تزعجه الحقيقة حين تأتي هادئة، بلا صخب ولا استعراض، لأنهم اعتادوا قياس الحضور بعلو الصوت لا بوزن الفعل، وبعدد الكلمات لا بعمق المعنى، في تصورهم، التزكية مشهد استعراضي، بينما هي في جوهرها قرار مبني على حسابات دقيقة، تتجاوز ما يقال في العلن إلى ما ينجز على الأرض.
في تازة، تظهر مفارقة لافتة فبينما ينشغل بعض أبناء المدينة من المستثمرين والفاعلين الحقيقيين بدفع عجلة التنمية المحلية، يصر آخرون على إعادة إنتاج نفس الخطاب المرهق، خطاب الإشاعة الذي لا يبني ولا يقترح، بل يستهلك فقط، وحين تعجز الإشاعة عن الصمود، تموت في الحناجر التي أطلقتها، دون أن تجد من يشيعها، لأن الواقع يكون قد سبقها بخطوة.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تلوح في الأفق معطيات جديدة قد تعيد ترتيب الأوراق بشكل غير مسبوق، من بينها احتمال بروز تحالفات بين فاعلين سياسيين، خارج القوالب الحزبية التقليدية، هذه الدينامية، إن تأكدت، قد تشكل تحولا نوعيا في المشهد السياسي المحلي، وتحد من نفوذ بعض الوجوه التي اعتادت الاتكاء على الدعم الحزبي كضمان شبه دائم للتزكية.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تنافس عابر، بل هو صراع بين منطقين، منطق الضجيج الذي يراهن على الإشاعة والتأثير اللحظي، ومنطق الفعل الذي يشتغل في صمت، ويترك للنتائج أن تتكلم، وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة ثابتة، لا تحتاج إلى صراخ لتثبت وجودها، ولا إلى تأويل لتبرر نفسها.
في النهاية، حين تهدأ الأصوات وتخفت الضوضاء، لا يبقى سوى ما هو حقيقي، قرارات تتخذ في وقتها، وموازين تحسم بعيدا عن الأعين، ومشهد سياسي يعيد تشكيل نفسه وفق منطق جديد، حيث لا مكان للإشاعة حين تصطدم بجدار الواقع، ولا قيمة للكلام حين تغيب عنه المسؤولية.
















إرسال تعليق