“الشناقة” و سلطة ذبح السوق و المواطن

  • بتاريخ : يوليو 19, 2021 - 2:53 م
  • الزيارات : 153
  • مليكة بوخاري

    مع إطلالة كل عيد ، و مع الوضع الاستثنائي الذي يعيشه العالم نتيجة الجائحة بنتائجها الاقتصادية و الاجتماعية الكارثية ، يجد المواطن نفسه محصورا بين زاويتين ، زاوية غياب الرقابة المؤسساتية للأسعار و زاوية سطوة الشناقة داخل الأسواق ، و التي انعكست ارتفاعا صاروخيا في ثمن الأضاحي التي أخفت الابتسامة عن محيا أبناء الشعب من ذوي الدخل المحدود ، و حتى الطبقة المتوسطة ، و أبنائهم .
    حين تدخل الأسواق تتعدد الصور الماثلة أمام عينيك ، أنواع مبعثرة من الأضاحي مما يعني الوفرة في الإنتاج و هو ما صرحت به وزارة الفلاحة ، لكن في المقابل أسعار صاروخية حشرت الحولي بين 2.500 درهم و 8.000 درهم ن و بين هذا و ذاك الضحية الأول و الأخير هو المواطن البسيط المكتوي بغلاء الأسعار و جشع السماسرة و الشناقة ما دام الفلاح لا يحصل إلا على الفتات .
    الخطاب الرسمي يعزو الحالة إلى “قانون السوق” و “حرية الأسعار” ، الخاضعة لقانون “العرض و الطلب” ، و بالتالي تتملص الدولة من أية مسؤولية في مسلسل ارتفاع الأسعار ، فما مسؤوليتها إذن ؟ و من سيتحمل المسؤولية عن كل هاته المآسي اليومية أو الفصلية أو المناسباتية التي تنخر كيان المواطن المغربي ، و الحكومة في “دار غفلون” ، أو أعلنت استقلالها عن همومه و قضاياه الأساسية .
    العارفون الرسميون يعزون الوضع إلى ما أسموه الجفاف و ضعف المحصول الزراعي ، و غلاء الأعلاف المستوردة من الأسواق الدولية ، و قوة الطلب على العرض نتيجة العودة غير مسبوقة لمغاربة العالم بعد سنوات الجائحة ، و دعم الدولة لهاته العودة عبر تخفيض رحلات العودة .
    جميل جدا أن نسمع كل هذا ، لكن السؤال المركزي إن سلمنا بهاته الفرضيات ، هو سؤال الفلاح عينه عن نسبة الأرباح التي يجنيها من هاته العملية ، على اعتبار أن سطوة السوق و الأسعار هي بيد “الشناقة” المتحكمون في السعر و الأعناق ، كما أن هاته العودة التي رمينا عليها حبل خيباتنا ليس مجرد “قميص عثمان” اعتبارا لكون وزارة الفلاحة في بلاغاتها الرسمية تحدثت عن وفرة الأغنام و التي تتجاوز الاستهلاك الداخلي ، و قدمت في ذلك أرقاما هامة حصرتها في 5.8 ملايين رأس من الأغنام و الماعز ، و أن المصالح البيطرية للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بتسجيل أزيد من 240.000 ضيعة لتربية و تسمين الأغنام و الماعز قد قامت ، و إلى حدود 18 يونيو 2021 ، بأخذ ما مجموعه 660 عينة من اللحوم و 359 عينة من المواد المعدة لتغذية الحيوانات من أجل إخضاعها للتحاليل المخبرية ؟ مضيفة أن أن العرض المرتقب من الأغنام و الماعز لعيد الأضحى لهذا العام يقدر بـحوالي 8,8 ملايين رأس منها 5,0 ملايين رأس من ذكور الأغنام و 3,8 ملايين رأس من الماعز و إناث الأغنام ، فيما الطلب من أضاحي العيد يناهز 5,30 ملايين رأس ، منها 4,80 ملايين رأس من الأغنام (4,20 ملايين رأس من الذكور) و520.000 رأس من الماعز .
    فما الذي جرى و حول هاته الخطب الرسمية المبشرة بجنة الإنتاج و الأسعار إلى كابوس يقض مضجع أبناء الشعب البسطاء ، إنه بكل بساطة غول “الشناقة” الذين تحكموا في السوق و الأسعار و بقي الخطاب الرسمي يتحدث عن الترقيم و مراقبة هذا الترقيم عبر شرطة خاصة ، و لكن الألم الأصلي و المعاناة الواقعية لعموم الشعب مع من يشنق أحلامهم في أضحية تدخل السعادة إلى الأسر و البيوت ، بقي حلما بعيد المنال في زمن أصبحت المعادلات الاقتصادية تحصر في النسب المئوية بعيدا عن الاجتماع و قدرة العموم على ولوج السوق لشراء السلعة .
    إنها المفارقة الصعبة التي نعيشها اليوم أمام “بورصة متحركة” من السماسرة و المرابين المتحكمين في الأسواق و الأرزاق في ظل غياب كل الأجهزة الرقابية للدولة .
    المواطنون المكتوون بهاته النار المتحركة عبروا عن امتعاضهم من الوضع ، الذي لم يراع حتى الظرف الاستثنائي الذي يعيشه المغرب و العالم ، إذ طالبوا الجهات الوصية عن قطاع الفلاحة بضرورة التدخل لردع هؤلاء “السماسرة و الشناقة” المتحكمين في فوضى أسعار السوق و العمل على تنظيم الأسواق ارتباطا بوفرة العرض المعلنة رسميا .
    إن المسؤولية الأولى و الأخيرة عن هاته الفوضى المسجلة في الأسواق تتحملها الحكومة و سياساتها الارتجالية في تدبير كل ما يتعلق بقضايا و هموم المواطنين ، فالسوق ليس إلا تعبيرا عن حضور حكومة الأزمة في أوضح تجلياتها ، و التي يفهمها المواطن البسيط بعيدا عن لغة تكميم الظواهر عبر معادلات حسابية ، من الأرقام التي تصم الآذان قبل أن تلطم خواء الجيوب التي حكم عليها بقرار حكومي أن تغني مع المرحوم عبد الحليم حافظ “إني أغرق أغرق أغرق” .