بقلم : مليكة بوخاري
في افتتاح السنة القضائية لسنة 2020 رفع شعار ” العدل أساس التنمية الشاملة” ، الأكيد أن الشعار يحمل أكثر من دلالة ، على اعتبار أن إصلاح منظومة العدالة ، و ممارسة سلطة الرقابة على أجهزتها العملاتية على مستوى المحاكم بمختلف درجاتها يعتبر المدخل ، ليس لضمان الأمن القضائي ، و لكن أيضا لضمان الأمن السياسي و الاجتماعي ، و فتح الباب للاستثمارات الخارجية ، مما يساهم في الإقلاع الاقتصادي و بالتالي ضمان الأمن الاجتماعي .
حينما أوصى مصطفى فارس ، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ، الرئيسُ الأول لمحكمة النقض ، القضاة بالتحلي بالضمير المسؤول ، و شدد على أن ذلك يعتبر “الركن الأساس في الإصلاح و المحك الحقيقي لتكريس الثقة و قوام نجاح قطاع العدالة برمته” .
فهو بذلك حاول الوقوف حول مكامن الجرح ، و هو استعادة الثقة في منظومة العدالة ، و جعلها مواطنة تخدم العدل و تنصف كل اللاجئين إلى أحد أركانه ، ضمانا للحقوق قبل الواجبات .
و هي الفلسفة التي حملها دستور 2011 حينما جعل رهان استقلالية السلطة القضائية المدخل لتحقيق التنمية ، واضعا مسارا لإصلاح القضاء من خلال أجرأة فعلية ، و تنصيصه بشكل واضح على كون القضاء يشكل سلطة مستقلة عن السلطتين التنفيذية و التشريعية ، و عبر توسيع صلاحيات المجلس الأعلى للسلطة القضائية ليشمل اختصاصات غير تقليدية ، من قبيل حماية استقلال القاضي و إبداء رأيه في القوانين التي تهم العدالة و إصدار تقارير سنوية حول وضعية العدالة ، و مناقشة تقارير السياسة الجنائية التي ينفذها رئيس النيابة العامة .

و حينما تحدت الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية عن ورش تخليق منظومة العدالة ، و التي “تعتبر الحصن القوي المتين الذي يمنع من الانحراف و يوجّه إلى أداء الرسالة بكل شجاعة و استقلال و نزاهة و حياد” ، كما قال رئيس المجلس
فهو بذلك قد حاول مقاربة جوهر الإشكال الذي يعوق تطور المسار القضائي بالمغرب ، حين اعتبر أن طريق إصلاح و تخليق منظومة العدالة ليس بالطريق اليسير ، بل هو ورش “هام و شاق” ، مشيرا إلى “مدونة الأخلاقيات القضائية لسنة 2020 ، و التي تم وضعها بمساهمة نخبة من القضاة و الخبراء في مجال القانون” ، ستمكن القضاة بمختلف مراكزهم و مسؤولياتهم من معرفة أكبر بواجباتهم ، و تفتح الباب للمرتفقين للإطلاع على معايير واضحة و معروفة لأخلاقيات مهنة القضاء من أجل بناء الثقة و تدعيم صورة الجهاز القضائي و تحسين فعاليته و نجاعته ، حسب “فارس” .
فمما لا شك فيه أن التخليق و محاربة الفساد في مرافق العدالة ورش كبير و مهم لا يقل أهمية عن ورش إصلاح المنظومة التشريعية و تبسيط الإجراءات المسطرية ، لأن الأخلاق “هي أساس من أسس الدولة تقوم بقيامها ، و تنهار بانهيارها” ، كما جاء في الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في الندوة الوطنية “حول دعم الأخلاقيات بالمرفق العام” في 29 و 30 أكتوبر 1999 ، و لن تتحقق العدالة و ترسو دولة الحق و القانون و تثبت مبادئ الديمقراطية و حقوق الإنسان إلا بها ، و لو كانت “الخرسانة” التشريعية صلبة في كل جزئياتها ، فإنها تبقى ناقصة ما لم تكن مصحوبة بالتزام أخلاقي رصين و ضمير مهني حي من طرف العاملين بالجهاز القضائي على اختلاف درجاتهم و تخصصاتهم .
فإن كان جميل أن نتحدث عن نسب التفتيش المنجزة و التي حصرها الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في 36 تفتيشا مركزيا و 74 تقريرا للتفتيش التسلسي سنة 2020 ، و تأكيده على ضرورة إيلاء التفتيش المركزي من قبل المسؤولين القضائيين بالدوائر الاستئنافية “كل العناية و الجدية ، و مواكبة كل التفاصيل و الجزئيات ، و تتبع و رصد مختلف المؤشرات و إعداد تقارير موضوعية تساعد المجلس في إنجاح هذا الورش الكبير” ، و قيام المجلس بدراسة و معالجة 77 شكاية و إحالتها على الجهات المختصة ، إلا أن المطلوب أكثر هو التفعيل و المتابعة لكل تلك التقارير و الشكايات بما يعزز الثقة في منظومة العدالة المغربية وطنيا و دوليا ، و ليس حصرها في مجرد أرقام .
الأكيد أن الخطوات المرسومة طموحة و أن مثول 13 قاضيا سنة 2020 و خضوعهم لمسطرة التأديب ، في إطار من الضمانات الدستورية و القانونية المفعِّلة لقواعد المسؤولية و التأطير و التخليق و التوجيه و التقويم ، و صدور عقوبات تأديبية توزعت بين العزل و الإنذار في حق البعض منهم ، مع عدم مؤاخذة ثلاثة قضاة و تعميق البحث في حق قاض واحد ، تشكل نقطة ضوء نحو المزيد من ترسيخ دولة المؤسسات و الحقوق و إعطاء استقلالية القضاء مفهومها الفعلي و الحقيقي ، و أن ترى صرامة “فارس” التي عبر عنها بأن “اليوم ، لا أحد فوق المحاسبة ، و لا مجال للإخلال بالثقة العامة ، و عزمنا أكيد على مواجهة كل الحالات التي قد تسيء إلى الصورة العامة للقضاء بقدر عزمنا على تشجيع كل الطاقات المبدعة و العلامات المضيئة التي تنير سماء العدالة ببلادنا” ، الطريق نحو التنزيل الفعلي .
















إرسال تعليق