بقلم : ذ / محمد الغياط باحث في علوم التربية تخصص علم النفس التربوي
يشهد المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة أثرت بشكل مباشر على البنيات الأسرية وأنماط العلاقات الاجتماعية، وهو ما انعكس بصورة واضحة على وضعية المسنين داخل المجتمع. فقد انتقل المسن من موقع مركزي داخل الأسرة التقليدية، حيث كان يمثل سلطة رمزية ومرجعية أخلاقية ومعرفية، إلى وضعية تتسم بالتراجع التدريجي في الاعتبار الاجتماعي، نتيجة التحولات التي مست الأسرة المغربية، وصعود الفردانية، وتغير أنماط الإنتاج والاستهلاك، وهيمنة القيم المادية المرتبطة بالمردودية الاقتصادية.
وقد أفرز هذا التحول البنيوي إشكالات نفسية واجتماعية متعددة لدى المسنين، من أبرزها الشعور بالعزلة وفقدان المعنى الاجتماعي والإقصاء الرمزي، الأمر الذي جعل من الشيخوخة في السياق المغربي الحديث سؤالاً سيكو-سوسيولوجياً معقداً يتجاوز البعد البيولوجي نحو أبعاد ثقافية ونفسية واقتصادية عميقة.
وتزداد أهمية هذا الموضوع بالنظر إلى التحولات الديمغرافية التي يعرفها المغرب، حيث تشير معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 إلى تزايد نسبة المسنين داخل الهرم السكاني المغربي، بفعل ارتفاع متوسط العمر وتراجع معدلات الخصوبة، وهو ما يفرض إعادة التفكير في السياسات الاجتماعية وآليات الإدماج والحماية النفسية والاجتماعية لهذه الفئة.
وننطلق في دراسة الموضوع من إشكالية مركزية مفادها: كيف ساهمت التحولات البنيوية الحديثة في المجتمع المغربي في إعادة تشكيل المكانة الاجتماعية والرمزية للمسن، وما هي الانعكاسات السيكولوجية والاجتماعية الناتجة عن آليات التهميش والإقصاء التي تطال هذه الفئة؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات الفرعية:
كيف كانت المكانة التقليدية للمسن داخل النسق الاجتماعي المغربي؟
ما طبيعة التحولات الاقتصادية والثقافية التي ساهمت في تراجع هذه المكانة؟
ما الآثار النفسية والاجتماعية الناتجة عن التهميش والإقصاء؟
ما حدود السياسات الاجتماعية المغربية في حماية كرامة المسنين وإدماجهم؟
واعتمدنا في دراستنا للمشكلة على تحليل التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المؤثرة في وضعية المسنين بالمغرب، مع توظيف بعض المعطيات الإحصائية والتقارير الرسمية الصادرة عن مؤسسات وطنية، إضافة إلى الاستناد إلى عدد من الدراسات الأكاديمية المغربية ذات الصلةكمحاولة للإجابة عن سؤال التهميش والاقصاء الذي يعاني منه جل المسنين في الوسط المغربي وخاصة العاطلين عن العمل قبل الشيخوخة .
أولاً: المسن في البنية التقليدية للمجتمع المغربي
شكل المسن داخل المجتمع المغربي التقليدي محوراً أساسياً في التنظيم الأسري والاجتماعي، حيث ارتبطت الشيخوخة بالحكمة والتجربة والسلطة الرمزية. وقد كانت الأسرة الممتدة تمنح لكبار السن موقعاً مركزياً داخل النسق العائلي، باعتبارهم حراساً للذاكرة الجماعية والمرجعية الأخلاقية للأسرة.
ويشير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن السلطة الرمزية تستمد مشروعيتها من الاعتراف الاجتماعي الجماعي، وهو ما كان ينطبق على وضعية المسن داخل المجتمعات التقليدية التي تمنحه مكانة اعتبارية قائمة على الاحترام والتقدير الاجتماعي(1).
كما ارتبطت الثقافة المغربية التقليدية بمنظومة قيمية قائمة على البر والتضامن العائلي والتكافل الاجتماعي، وهو ما جعل رعاية المسنين مسؤولية أخلاقية ودينية واجتماعية داخل الأسرة.
وقد أكدت عدة دراسات سوسيولوجية مغربية أن الأسرة التقليدية كانت تشكل فضاءً للحماية النفسية والاجتماعية للمسن، حيث يظل فاعلاً داخل النسق الأسري حتى بعد التقاعد أو التقدم في السن(2).
ثانياً: التحولات البنيوية وتفكك المكانة الاجتماعية للمسن في الوسط الأسري.
عرف المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة مست البنيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تمثلت في التمدن المتسارع، وصعود الأسرة النووية، وتغير أنماط العمل والإنتاج، وتنامي النزعة الفردانية والاستهلاكية.
وقد أدى هذا التحول إلى تراجع الوظيفة الاجتماعية للمسن داخل الأسرة والمجتمع، حيث أصبحت القيمة الاجتماعية للفرد تقاس بمدى إنتاجيته الاقتصادية ومساهمته المادية، وهو ما ساهم في إقصاء فئة كبار السن من دائرة الفاعلية الاجتماعية.
ويؤكد تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي حول “الأشخاص المسنون بالمغرب” أن عدداً متزايداً من المسنين يعانون من الهشاشة الاجتماعية وضعف الحماية الاجتماعية والعزلة الأسرية، خصوصاً في الوسط الحضري(3).
كما ساهمت التحولات المرتبطة بسوق الشغل والهجرة الداخلية والخارجية في تفكيك الروابط الأسرية التقليدية، حيث أصبحت العلاقات داخل الأسرة أكثر فردانية وأقل ترابطاً، الأمر الذي انعكس سلباً على أوضاع المسنين النفسية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يرى عالم الاجتماع زيغمونت باومان أن المجتمعات الحديثة تنتج أشكالاً جديدة من “الهشاشة الإنسانية” نتيجة سيولة العلاقات الاجتماعية وهيمنة المنطق الاستهلاكي، وهو ما يجعل الفئات غير المنتجة اقتصادياً أكثر عرضة للإقصاء(4).
وتكشف معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن المغرب يعرف ارتفاعاً متزايداً في نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق، وهو ما ينذر بتحولات ديمغرافية كبرى ستفرض تحديات اجتماعية واقتصادية متزايدة مرتبطة بالشيخوخة والرعاية الاجتماعية.
ثالثاً: التهميش والإقصاء وآثارهما السيكولوجية على المسن
لا يقتصر تهميش المسنين على الجانب الاجتماعي فقط، بل يمتد إلى البعد النفسي والوجداني، حيث ينتج الإقصاء الاجتماعي شعوراً بفقدان القيمة والاعتراف والمعنى داخل المجتمع.
وتشير الدراسات النفسية إلى أن العزلة الاجتماعية لدى المسنين ترتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة والانكسار النفسي(5). كما أن فقدان الأدوار الاجتماعية بعد التقاعد أو بعد تراجع السلطة الأسرية يولد لدى المسن إحساساً بالتهميش وفقدان الجدوى الاجتماعية.
ويرى إريك إريكسون أن المرحلة الأخيرة من حياة الإنسان تتميز بصراع نفسي بين “تكامل الأنا” و”اليأس”، حيث يحتاج الفرد في مرحلة الشيخوخة إلى الشعور بالاعتراف بقيمة حياته وتجربته حتى يحافظ على توازنه النفسي(6).
وفي السياق المغربي، تتفاقم الأزمة النفسية للمسن بفعل ضعف مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وغياب فضاءات الإدماج الثقافي والنفسي، إضافة إلى هشاشة التغطية الصحية والاجتماعية لدى فئات واسعة من كبار السن.
وقد أبرزت بعض الدراسات المغربية أن عدداً مهماً من المسنين يعيشون أوضاعاً نفسية صعبة مرتبطة بالشعور بالإهمال الأسري والعزلة الاجتماعية، خصوصاً داخل المدن الكبرى التي تعرف تراجعاً في الروابط العائلية التقليدية(7).
رابعاً: الشيخوخة وسؤال الكرامة الإنسانية في المغرب المعاصر
أصبحت قضية المسنين اليوم مرتبطة بسؤال الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية داخل المجتمع المغربي، خصوصاً في ظل التحولات الديمغرافية المتسارعة.
فالمسن ليس مجرد فرد متقدم في العمر، بل هو حامل لذاكرة اجتماعية وتجربة إنسانية ورصيد ثقافي يجب أن يحظى بالاعتراف والحماية. غير أن المقاربة الاجتماعية السائدة ما تزال في كثير من الأحيان تختزل المسن في بعده البيولوجي أو الاقتصادي، دون استحضار أبعاده النفسية والثقافية والرمزية.
وقد انتشرت في السنوات الأخيرة ولوج المسنين لمؤسسات دار المسنين التي ترعاها جمعيات المجتمع المدني بتحويل وإشراف من الحكومة تواجه هذه المؤسسات الاجتماعية انتقادات من بعض المحافظين اللذين يعتبرون عملها يخل بقيم المجتمع المغربي ، وخاصة إذا كانت المبادرة من أبناء أو بنات ميسورين وتغلب على هذه الانتقادات مبادى إكرام الوالدين والإحسان لهم التي توصي بها كل الاديان ومن بينهم الشريعة الإسلامية.
جاء في القرآن الكريم قال الله تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23].
بر الوالدين من أفضل أنواع الطاعات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى
لأن الوالدين هما سبب وجود الأبناء في الحياة وهما سبب سعادتهم وقوتهم
فقد سهرت الأم في تربية أبنائها ورعايتهم وكم قضت ليالي طويلة تقوم على رعاية طفلها الصغير الذي لايملك من أمره شيئًا
و شقي الأب في الحياة لكسب الرزق وجمع المال من أجل إطعام الأبناء وكسوتهم وتعليمهم ومساعدتهم على تحقيق أحلامهم….
وقد دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في المغرب إلى ضرورة وضع سياسة عمومية مندمجة لفائدة الأشخاص المسنين، تقوم على تعزيز الحماية الاجتماعية والصحية، ودعم المشاركة الاجتماعية، وضمان الحق في الكرامة والاستقلالية(8).
كما أن التحولات الديمغرافية التي يعرفها المغرب تفرض إعادة النظر في السياسات العمومية المرتبطة بالشيخوخة، من خلال تطوير خدمات الرعاية الصحية النفسية والاجتماعية، ودعم الأسرة، وإحداث فضاءات ثقافية وترفيهية وإدماجية خاصة بكبار السن.
خاتمة
يتبين أن وضعية المسنين في المجتمع المغربي المعاصر تعكس أزمة بنيوية مرتبطة بتحولات عميقة مست أنماط العلاقات الاجتماعية والقيم الثقافية والبنيات الاقتصادية. فقد أدى الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث إلى إعادة تشكيل المكانة الاجتماعية للمسن، وتحويله من سلطة رمزية مركزية إلى فئة تعاني في كثير من الأحيان من التهميش والإقصاء والعزلة.
وقد أفرز هذا التحول انعكاسات نفسية واجتماعية خطيرة تمس التوازن النفسي للمسن وكرامته الإنسانية، في ظل ضعف الحماية الاجتماعية وتراجع الروابط الأسرية التقليدية.
ومن ثم، فإن معالجة قضية الشيخوخة بالمغرب تقتضي تبني مقاربة سيكو-سوسيولوجية شمولية، تجعل من كرامة الإنسان المسن محوراً للسياسات الاجتماعية والثقافية، وتعمل على إعادة الاعتبار لدوره الرمزي والاجتماعي داخل المجتمع واحترام حقه في الحياة والعيش الكريم .

☆ بقلم ذ / محمد الغياط ، باحث في علوم التربية تخصص علم النفس التربوي …سلا ..المغرب ..28\5\2026
الهوامش
1- Pierre Bourdieu, La domination masculine, Seuil, Paris, 1998, p. 45.
2- عبد الكبير الخطيبي، الاسم العربي الجريح، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1985، ص: 77.
3- المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، “الأشخاص المسنون بالمغرب: وضعية وآفاق”، الرباط، 2021، ص: 15.
4- Zygmunt Bauman, Liquid Modernity, Polity Press, Cambridge, 2000, p. 112.
5- منظمة الصحة العالمية، الشيخوخة والصحة النفسية، تقرير دولي، 2022.
6- Erik Erikson, Childhood and Society, W.W. Norton & Company, New York, 1963, p. 268.
7- محمد جسوس، قضايا اجتماعية مغربية، منشورات الزمن، الرباط، 2004، ص: 91.
8- المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مرجع سابق، ص: 34.
المراجع
المراجع العربية
المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الأشخاص المسنون بالمغرب: وضعية وآفاق، الرباط، 2021.
محمد جسوس، قضايا اجتماعية مغربية، منشورات الزمن، الرباط، 2004.
عبد الكبير الخطيبي، الاسم العربي الجريح، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1985.
منظمة الصحة العالمية، الشيخوخة والصحة النفسية، 2022.
.















إرسال تعليق