“حين يرتد المكر السيئ بأصحابه… قضية أشرف بلمودن بين قرينة البراءة وأسئلة الحقيقة”.

  • بتاريخ : يونيو 7, 2026 - 4:04 م
  • الزيارات : 13
  • جمال بلـــــة
    ليست كل المعارك التي تخاض في الخفاء تنتهي كما خطط لها أصحابها، ففي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح وتتقاطع الحسابات الضيقة، يراهن بعض المسؤولين على المكر والخداع باعتبارهما طريقا مختصرا نحو النفوذ أو وسيلة لحسم الصراعات وتحقيق المكاسب، غير أن سنن الحياة وتجارب الأمم تثبت أن بناء كل منصب شيد على التضليل والتلاعب يظل هشا، مهما بدا متماسكا في ظاهره، فالعدالة قد تتأخر في الظهور، لكنها لا تغيب، والحق قد يحاصره الباطل لبعض الوقت، لكنه لا يفقد قدرته على الانتصار في النهاية.
    وقد لخص القرآن الكريم هذه الحقيقة الخالدة في قوله تعالى: “ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله”، وهي ليست مجرد موعظة أخلاقية، بل قاعدة إنسانية تتكرر شواهدها في مختلف الأزمنة والوقائع، فكم من مسؤول اعتقد أن بإمكانه صناعة المجد عبر المؤامرات ونسج الخيوط في الخفاء، قبل أن تتحول تلك الأساليب نفسها إلى سبب في سقوطه وفقدانه للمصداقية والاحترام، فالخداع قد يمنح صاحبه مكاسب مؤقتة، لكنه لا يوفر له الاستقرار ولا الثقة ولا الطمأنينة، أما القوة الحقيقية فتبقى مرتبطة بالنزاهة والشفافية واحترام القواعد التي تضمن العدل وتكافؤ الفرص بين الجميع، لأن المجتمعات لا تبنى بالمكائد، بل تبنى بالمصداقية وسيادة القانون.
    وفي خضم هذا السياق، برزت قضية الصحافي المتميز أشرف بلمودن خلال اجتيازه امتحانات الباكالوريا بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، لتثير نقاشا واسعا داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية، فبحسب المعطيات المتداولة، كان المعني بالأمر يجتاز الامتحانات في ظروف عادية، قبل أن تتدخل لجنة قيل إنها تابعة للوزارة وتباشر عملية تفتيش أثارت العديد من التساؤلات بشأن ظروفها وطبيعتها وتوقيتها.
    ورغم تداول روايات متعددة حول تفاصيل الواقعة، فإن غياب توضيحات رسمية شاملة ودقيقة ساهم في اتساع دائرة الجدل وفتح المجال أمام تأويلات متباينة، وفي المقابل، شددت أصوات حقوقية ومهنية على ضرورة احترام المساطر القانونية وضمان حقوق جميع المترشحين دون تمييز أو استهداف، باعتبار أن مبدأ المساواة أمام القانون يشكل أساس أي إجراء إداري أو تأديبي سليم.
    وقد تضاعف حجم الجدل بعد انتشار أخبار تتعلق باتهام بلمودن بالغش قبل استكمال كافة الإجراءات القانونية المرتبطة بالملف، وهو ما دفع العديد من المتابعين إلى التساؤل حول خلفيات التسريبات وسرعة تداولها، خاصة أن الصحافي المذكور يعرف بمواقفه النقدية تجاه عدد من الملفات التي تهم الشأن العام، وبمتابعته لقضايا الفساد والاختلالات التي تشغل الرأي العام.
    ويعد أشرف بلمودن من الأسماء الإعلامية التي ارتبطت خلال السنوات الأخيرة بطرح ملفات حساسة وإثارة نقاشات عمومية حول قضايا اجتماعية واقتصادية وإدارية، وهو ما أكسبه حضورا لافتا لدى شريحة من المتابعين، كما جعله في الوقت ذاته محل جدل واختلاف في التقييم بين مؤيدين ومنتقدين.
    ومن ثم، فإن التعاطي مع هذه القضية يقتضي الابتعاد عن منطق الاصطفاف المسبق، في اتجاه الإدانة، والاحتكام حصرا إلى الوقائع المثبتة والآليات القانونية المعمول بها. فبين موجة التعليقات المتسرعة والأحكام الجاهزة التي اجتاحت بعض المنصات الرقمية، برزت معطيات أخرى تدعو إلى التريث وطرح أسئلة مشروعة حول جميع تفاصيل الملف.
    ووفق ما تم تداوله من تصريحات ومواقف منسوبة إلى مقربين من بلمودن، فإنه نفى بشكل قاطع أي علاقة له بالهاتف الذي قيل إنه وجد بالقرب منه أثناء الامتحان، كما طالب بإخضاع الجهاز لخبرة تقنية وعلمية مستقلة بهدف التحقق من كافة المعطيات المرتبطة به، وإن مثل هذه الإجراءات تبقى الكفيلة وحدها بحسم الجدل والكشف عن الحقيقة بعيدا عن الأحكام المسبقة والانطباعات السريعة.
    وتظل قاعدة البراءة الأصلية مبدأ قانونيا ودستوريا لا يجوز تجاوزه أو الالتفاف عليه، فإثبات أي مخالفة يظل رهينا بأدلة واضحة وقاطعة، بينما لا يمكن للرأي العام أو مواقع التواصل الاجتماعي أن تحل محل المؤسسات المخول لها قانونا البحث والتحقيق وإصدار الأحكام.
    و إن جوهر هذه القضية لا يتعلق بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بقيمة العدالة ذاتها، فالعدالة الحقيقية لا تقاس بحجم الضجيج المرافق للقضايا، وإنما بمدى احترام القانون وضمان الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية، لذلك يبقى الواجب هو التمسك بالحقيقة مهما كانت نتائجها، لأن المكر مهما بدا محكما ومحاطا بالأسباب، يظل خاضعا لقانون أخلاقي أعلى لا يخطئ هدفه ولا يبدل أحكامه.
    وفي النهاية، يبقى الرهان الأكبر لأي مجتمع هو ترسيخ ثقافة الإنصاف واحترام القانون وحماية قرينة البراءة. فالمكر في قضية الصحافي المتميز اشرف بلمودن قد يمنح لأصحابه شعورا عابرا بالانتصار، لكنه لا يستطيع أن يمنحهم الاحترام الدائم أو الطمأنينة الحقيقية، أما الصدق والعدل، وإن بدت طريقهما أطول وأكثر مشقة، فإنهما يظلان السبيل الأوثق لبناء الثقة وصون الكرامة وترسيخ دولة الحق والقانون، وهنا تتجلى حكمة الآية الكريمة في أبهى صورها: “ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله”، فعدالة السماء قد تتأخر في نظر الناس، لكنها لا تتخلف عن موعدها أبدا.