محمد العوش
يعتبر التمثيل النيابي الجاد و الفعال للنساء في الانتخابات التشريعية ، مؤشر من مؤشرات التنمية داخل كل مجتمع ، و تبقى تجربة “الكوطا” تجربة هامة في محاولة لإشراك المرأة في مجال التدبير العام ، فهل حققت تلك التجربة المرجو منها ؟ و هل التشريعات كافية لتحقيق حضور فعلي للمرأة في مضمار الممارسة السياسية و التدبيرية ؟ و ما هو المأمول في القانون الانتخابي قيد الدرس تحقيقه للوصول إلى تحقيق مناصفة مأمولة في مجال التدبير النسائي ؟ و ما موقف التيارات السياسية المغربية من قضية المناصفة ؟
الملاحظة الأولية التي يمكن تسجيلها هي أن تجربة “الكوطا” عبرت عن انحصارها ، و عدم قدرتها على تحقيق حضور فعلي للمرأة في مجال التدبير العام لحدود الساعة ، من جهة الحضور الضعيف للمرأة في جميع مؤسسات التدبير الجماعية منها أو التشريعية و حتى الحزبية التي يهيمن عليها الطابع الذكوري .
التشريعات القانونية التي تم سنها في هذا الباب بقيت عاجزة عن تدبير الوضع للارتقاء بمستوى الحضور النسائي الفاعل ، و هو ما عكس حقيقة أساسية أن المشكلة لا ترتبط إطلاقا بوضع التشريعات لتمكين المرأة من الوصول إلى مراكز القرار ، لأن حضور المرأة في تدبير المشهد السياسي حتى داخل التنظيمات السياسية بقي دون المستوى المطلوب ، و هو ما يتطلب مجابهة رسمية و مؤسساتية لواقع تهميش المرأة ، لتصحيح تلك الاختلالات البنيوية بين الرجال و النساء على المستوى السوسيو – اقتصادي .
و هو ما يعني أنه ما لم يتم تحطيم تلك الهوة السوسيو – اقتصادية ، و تغيير العقلية الذكورية المسيطرة ، فلن نتمكن من تصحيح هاته الاختلالات الجذرية ، و سيبقى نظام “الكوطا” مجرد إجراء شكلي لا يقدم و لا يؤخر في مضمار تحقيق العدالة الجنسية ، و بالتالي إشراك أوسع للمرأة في مجال الممارسة السياسية .
الدولة المغربية عملت على سن تدابير مهمة كآلية للقضاء على التمييز بين الجنسين ، من خلال إحداث صندوق الدعم لتشجيع هاته التمثيلية ، لكن الإشكال بقي محصورا على المستوى العددي بعيدا عن الفعالية المطلوبة ، و الواقع يؤكد من خلال النظر إلى الحضور النسائي داخل مجلس النواب المغربي ، دون أن نتحدث عن التدبير الجماعي الذي تطوقه الاختلالات في هذا الباب ، أن هذا الحضور هو شكلي و مجرد ديكور لتجميل المشهد السياسي المغربي بالدرجة الأولى ، و أن الإشكال هو في الجوهر هيكلي و يندرج ضمن النضال العام لتحقيق هاته المساواة في الواقع العام .
الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ، يوم الجمعة 12 أكتوبر 2018 ، أمام أعضاء مجلسي البرلمان ، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة ، أكد على
ضرورة الحرص على “مواكبة الهيئات السياسية ، و تحفيزها على تجديد أساليب عملها ، بما يساهم في الرفع من مستوى الأداء الحزبي و من جودة التشريعات و السياسات العمومية” ، و هو تحليل لامس الأزمة ، لأن الإشكال المطروح هو إشكال بنيوي يقتضي السمو بالمؤسسات الحزبية و إحداث طفرة انتقالية هامة في مجال الحضور الفاعل و الواعي في تدبير الشأن السياسي الحزبي قبل التدبير العام ، و أن “التعبئة الوطنية ، و العمل الجماعي يتطلبان توفير مناخ سليم ، و تعزيز التضامن بين مختلف الشرائح الاجتماعية” ، كما قال جلالته ، و هذا المناخ غير متوفر حاليا مع سيادة هذا النمط من التفكير المعيق للحضور و للمساهمة و للتنمية .
فالانتخابات التشريعية لسنة 1993 و التي عرفت أول مشاركة نسائية في البرلمان ، بعد أن تمكنت سيدتين من دخول البرلمان ، مرورا باعتماد المغرب ابتداء من سنة 2002 نظام “الكوطا” لضمان الحد الأدنى من تمثيلية النساء في المؤسسة التشريعية ، وصولا إلى تبنى أسلوب الاقتراع بالتمثيل النسبي عن طريق اللائحة ، كتقنية ساهمت نسبيا في الرفع من التمثيلية السياسية للنساء ، بعد أن وصلت إلى 35 امرأة ، أي حوالي 11% من مقاعد البرلمان .
و قد شكل التوافق حينها بين الأحزاب السياسية على ضرورة تخصيص اللائحة النسائية الوطنية ، المدخل فقط لملامسة هذا الحضور .
و مع ذلك ، فالوقائع على الأرض تشير إلى قصور كل هاته الخطوات عن تحقيق المبتغى و المنشود لتسهيل ولوج المرأة إلى المجال السياسي ، لاعتماد الأحزاب السياسية سياسة إعاقة بروز قيادات نسائية تستطيع منافسة الرجال من خارج نظام اللائحة على الرغم من مرور أربع تجارب انتخابية تشريعية ما بين سنتي 2002 و 2016 ، و هو ما عكس صعوبة تغيير تلك العقلية النمطية عن المرأة في المجتمع ، كما في الأحزاب السياسية ن و التي تعتبر المرأة غير قادرة على شغل مناصب القرار العام .
و قد عكس جلالة الملك نصره الله تلك الصورة من خلال دعوة جلالته إلى أن “المغرب يجب أن يكون بلدا للفرص ، لا بلدا للانتهازيين . و أي مواطن ، كيفما كان ، ينبغي أن توفر له نفس الحظوظ ، لخدمة بلاده ، و أن يستفيد على قدم المساواة مع جميع المغاربة ، من خيراته ، و من فرص النمو و الارتقاء” .
جلالة الملك كان قد قارب الوضع في افتتاح الدورة الأولى من السنة الثانية من الولاية التشريعية بتاريخ 10 أكتوبر لسنة 2003 ، حيث قال جلالته “قد أكدنا مرارا ، ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين ، و أن الديمقراطية طريق شاق و طويل ، و ليست ميدانا صوريا لحرب المواقع ، بل هي مواطنة ملتزمة ، و ممارسة لا محيد عنها ، لحسن تدبير الشأن العام ، و لا سيما المحلي منه . و لا يمكن تحصينها إلا بترسيخ ثقافة المواطنة المنوط بالأحزاب السياسية ، و هيئات المجتمع المدني ، و بتحسين الأحوال المعيشية للمواطن ، حتى يلمسها في واقعه اليومي” ، و أضاف جلالته أنه يجب “نبذ عقلية ديمقراطية المقاعد ، و الالتزام بفضيلة ديمقراطية التنمية” .
خطاب لامس الواقع الفعلي الصوري لقضايا الحضور داخل المؤسسات ، و مسؤولية الأحزاب في ذلك ، و تجاوز عقلية المقاعد في التدبير السياسي ، و هو الواقع القائم فعليا .
و ما يعكس هذا الواقع هو التمثيل الضعيف للنساء في الجماعات المحلية ، إن المطلوب نهضة شاملة ، و تحولا جذريا من خلال القطع مع العقليات البالية و الوعي الجماعي المرسخ ، و فتح المجال أمام المرأة ، بما يمكنها من المشاركة في تدبير كل مجالات الحياة الوطنية ، وصولا إلى مناصفة فعلية و حقيقية تضمن المساواة و الحضور الفعال و الإيجابي لها باعتبارها نصف المجتمع .
الأكيد أن المغرب لا زالت تنتظره العديد من المراحل الواجب قطعها للوصول إلى تحقيق فعلي للهدف المأمول نسائيا و وطنيا و رسميا ، و ربما ، و هذا مطمح ، أن يكون المشروع المقترح و المتوافق عليه رسميا و حزبيا و المعد كقاعدة لتدبير الاستحقاقات المقبلة المدخل لتحويل الطموح و الإرادة الملكية السامية إلى واقع ميداني متحقق ، و أن تتحمل الأحزاب السياسية المغربية مسؤوليتها في خلق الجو الملائم لممارسة سياسية سليمة ، و لحضور إيجابي للمرأة داخل دواليب هاته الأحزاب ، بما يمكنها من تواجد إيجابي في مضمار البناء العام الدولتي و المؤسساتي تحقيقا للتنمية و التقدم ، و المدخل هو العدالة الجنسية و تجاوز المنطق الذكوري داخل دواليب السياسة و الجماعات و الأقاليم و الجهات و البرلمان بمجلسيه ، و صولا إلى السلطة التنفيذية .
















إرسال تعليق