هل نحن أمام سقوط الصحافة أم صحافة السقوط ؟

  • بتاريخ : نوفمبر 11, 2020 - 3:35 م
  • الزيارات : 210
  • بقلم مليكة بوخاري / القنيطرة

    قد يتبادر لذهن القارئ من أول وهلة السؤال التالي ، ما مدعاة تناول هذا العنوان الغليظ في الحمولة و في كل شيء ؟ فهو بكل بساطة توصيف لوضع القثامة و السقوط ، و الظلامية ، ليس بمعناها السياسي ، و لكن بمعناها الإعلامي ، فماضيا كنا نقبل بمتعة على متابعة جميع المحتويات ، و في مختلف أجناس الكتابة الصحافية ، شكلا و مضمونا ، أما الآن فغالبية ما ينشر ، خاصة عبر المواقع الإلكترونية ، و بعض الجرائد الورقية ، أصبح مصدر تقزز ، حتى تحولنا مع هكذا وضع ، إلى متصفحين ليس إلا ، بمعنى إلى رواد صحافة العناوين ، كما تعرف في المشهد الإعلامي ، بل أن الصدمة الكبرى تكمن في كون أن حتى تلك العناوين لا علاقة لها بالمطلق بالموضوع المدرج ، دون أن نتحدث عن صحافة الطوار التي تنقل لنا وقائع التمساح الذي أنقد طائرا من الغرق ، و ليستسمحنا الزملاء المهنيون الأقحاح ، فنحن بصدد نقد وضع قائم و فاسد بهدف الرقي بالمشهد الإعلامي ، و أي تقارب في حالات التوصيف هو من باب التشابه ليس إلا .
    أكاديميو الإعلام اعتبروا أن دور الصحافة محوري و خطير ، لذا سموها مهنة المتاعب ، و لكن المفهوم الأهم بالنسبة إلينا هو بكل بساطة و أولوية احترام دور الصحافة من حيث قيامها بالإخبار و التثقيف و التعليم ، و التوجيه نحو قيم و أهداف معينة ، تخدم الوطن و المجتمع ، …
    فالصحافة تبدأ من القدرة على صياغة الخبر ، لا يمكن أن تكون صحفيا، إذا لم تفلح في كتابة خبر مكتمل الشروط، بما فيه العنوان، الخبر مدرسة، و هو أساس الصحافة ، فهو البنية الأساسية التي تقوم عليها المادة الصحافية ، تقريرا كانت ، أم تحقيقا ، كل شيء يبدأ بالخبر ، كل الأحداث صغرت أم عظمت ، بدايتها خبر ، إن كنت تغطي اختيار ملكة جمال ، أو اندلاع حرب ضروس، كل ما كتب عن الحربين العالميتين بملايين ضحاياها، و دمارها الرهيب ، وشهرة قادتها ، بدأ بخبر صغير ، يقول “أطلق شاب صربي النار اليوم ، على أرشيدوق النمسا ، بينما كان على متن عربة مكشوفة في أحد شوارع سرائيفو ، رفقة زوجته ، فأرداه قتيلا ، و أصاب الزوجة..” هذه الأسطر الثلاثة ، احتوت إجابات على أربعة من الأسئلة الخمسة أو الستة الرئيسة التي يبنى عليها الخبر .
    إن الإعلام وفق المواصفات المهنية المعدومة عبر كل وسائل الاتصال ، له هدف شريف و هو الرقي بالفكر و الدوق العام ، و المساهمة ليس في نقل الوقائع كما هي بموضوعية فحسب ، بل تجاوز ذلك إلى إعطاء إشارات حلول تساعد المتدخلين المعنيين على رصد الخلل و إيجاد الحلول ، أو وقف نزيف جراح تصيب أشخاصا من قبل أفراد أو جماعات منظمة ، بل أن المطلوب منها تجاوز الخبر إلى ما وراءه ، خدمة للمستقبل ، فأنا نحن من أبسط هاته القواعد ، قد أبدو في نظر البعض أهدي بلا إشارة مرور أو وصول ، لكن ركوب المستحيل أمر مطلوب ، لتقويم اتجاه السفينة في اتجاه المرسى و ليس المزابل .
    فمهنة المتاعب ليس كما هو ممارس اليوم وسيلة للاسترزاق الضيق ، أو القضم من شجرة الطوار ، لإنتاج معرفة و كتابة ممسوخة ، معروضة للبيع في المزاد العلني ، إرضاء للمال و للسياسة ، بهدف الإثارة و الاسترزاق عبر نشر و إشاعة الفضائح بأسلوب المبالغة أو الانحياز لطرف دون الحقيقة ، و لعل تاريخ الظهور المرتبط بسنة 1898 ، و تحديدا بالصراع الذي قام حينها بين صحيفتين من صحف نيويورك و هما (تبوركوورلد ، و نيويورك جورنال) ، و حصرا بالناشر و الصحافي ويليام “راندولف هيرست” ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، باعتباره أول من نهج هذا الخط و هو ما ساهم في نشوء الصحافة الصفراء ، و قد سميت بهذا الاسم لكونها كانت تطبع على أوراق صفراء رخيصة الثمن ، و”الصفرة” في التوصيف الاجتماعي ، تحيل إلى الرداءة و البخس في الشيء ، لا سلطة لها إلا المال و أصحاب المال ، لمعاقرة الخمر في فنادق خمس نجوم ، و إثقال حجم السيولة في الأبناك .
    إن الطوار كصحافة ، حاضر اليوم و بشدة ، و أنت تراجع أغلب المواقع و القنوات الإلكترونية حتى الأكثر مشاهدة منها ، و بعض المجلات و الصحف ، في الوضع المغربي ، تتيه في رحلة البحث عن المعلومة فلا تجد لها “لا رأس و لا رجل” على حد قول المثل الشعبي ، مهنة شريفة دنست من قبل من لا مهنة له ، أو من يدعي ، و حاشى لله ، الانتماء إليها ، فهي منبر الشعب و قناة للتواصل أكثر من الاتصال بين السلطة و الشعب ، و هي المرآة التي تعكس المجتمع في جميع تجلياته ، من جمع مهني للمعلومات إلى تدقيق في صدقيتها ، فغربلة … ، و رقابة و محاسبة و مسؤولية من أجل الغد و أجياله المقبلة ، و لذلك أعطوها اسم السلطة الرابعة ، و ليس سلطة المزابل التي نعيش تحت وقع ألمها اليوم .
    هناك فرق جوهري بين الصحافة بمفهومها المهني ، و الدكاكين المحسوبة على خدمة سلطتي المال و السياسة ، و لو قيمنا الوضع المغربي سنجد كما هائلا من الصحافة الساقطة في كل شيء ، فهل أصبح قدر صاحبة الجلالة كما سميت ، أن كل من هب ودب يلبس رداءها المزركش خداعا ، و يعطي لنفسه صفتها التي هي منه براء .
    إن المطلوب اليوم هو تنقية الإعلام من هاته الشوائب كما ينقى الخبر لحظة التحرير ، و القطع مع كاتب فتات ، بضم الفاء ، فتاة ، بفتح الفاء … للتقريب فقط ، لأنه عبر ليس فقط عن ضعف لغوي و نحوي و إملائي ، كما قد يتبادر لأول وهلة ، بل عن عمق نفعي مصلحي (جنسي ، أو مادي …) صادر ليس من منطقة السهو ، و لكن من منطقة الليبيدو ، حسب التحليل النفسي لفرويد .
    و خلاصة القول ، مع الصورة الجميلة التي حملها فلاسفة الأنوار ، حين قالوا حول أسطورة “الهمجي الجميل” ، في تلازمية ثلاثية ، بدأها “أنطوني سافستبوري” ب (البحث في بساطة الخلق ، و هذا السلوك البريء ، الذي يظهر جليا في الهمجيين ، قبل أن تتلفه تجاربنا” ، إلى “جون جاك روسو” حين قال (ولد الإنسان حرا ، لكنه قيد بعد ذلك بالقيود) ، ليرد عليه “فولتير” بالقول (عندما قرأت الكتاب شعرت برغبة في المشي على أربع ، و لكن للأسف فقدت هذه العادة لأكثر من ستين عاما ، و لا يمكنني أن أستأنفها الآن) ، فما أحوجنا أن نقضي على الاستبداد الشخصي الذي يحتوينا قبل أن نطالب المستبد بالتوقف عن استبداده .