أمريكا في مفترق الطرق: العنصرية، الفقر والبطالة، وكورونا، فهل سيقلب السود الطاولة على البيض

  • بتاريخ : أغسطس 27, 2020 - 7:51 م
  • الزيارات : 201
  • بقلم مليكة بوخاري / القنيطرة

    أصبجت الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تعد مركز الحقوق و الحريات نموذجا قويا لعنصرية مؤسسية ضد السود و الملونين من سكان البلاد الأصليين و اللاثينين و الآسيويين، كان آخر مشاهدها الإعتداء الدموي على المواطن الأمريكي الأسود  “جاكوب بليك” بدم بارد من قبل شرطي أمريكي بعد أن أطلق عليه سبع رصاصات بمدينة “كينوشا” و لا زال يرقد في وضعية صحية حرجة بالعناية المركزة بأحد المستشفيات وفق ما أعلنت عنه عائلته.

    جريمة هزت أركان المجتمع الأمريكي من جديد و فجرت  موجة من الإحتجاجات العنيفة في ولاية  “ويسكنسون”  ، و مسيرات منددة بهذا العمل الإجرامي ، حيث رفع المحتجون شعار “لن نتراجع”، وضع إضطرت معه السلطات إلى فرض حظر التجول.

    المجتمع السياسي الذي يعيش تحت وقع الإنتخابات الأمريكية أدان هذا الإعتداء الإجرامي، “جون بايدن”  المرشح الديمقراطي للإنتخابات أصدر بيانا طالب فيه بفتح تحقيق سريع و شفاف في الحادث، و قال “يجب محاسبة الضباط المسؤولين” .

    حاكم الولاية  “توني ايغرز”  صرح “في الوقت الذي لا نملك كل التفاصيل لسنا متأكدين من شيء سوى أنه ليس المواطن الأسود الأول الذي يتعرض لإطلاق النار و الإصابة أو القتل دون رحمة من قبل رجال حماية الأمن و إنفاذ القانون سواء في ولايتنا أو الولايات المتحدة ككل”.

    بالفعل فهذا الحدث ليس الأول من نوعه ، فقبل أشهر في 25 ماي 2020 قتلت الشرطة الأمريكية ببرودة و وحشية و عنصرية المواطن الأسود “جورج فلويد” و هو ما فجر إنتفاضات عمت عموم أمريكا، لتضاف تلك الجريمة إلى سلسلة جرائم عنصرية ميزت المؤسسة الأمريكية ، مقتل “ايريك عارنز” في جزيرة “ستانين” في 17 ماي 2014 ، و بعده بثلاثة أشهر مقتل مواطن أمريكي أسود آخر يدعى  “مايكل براون”  في “فيرغسون” بتاريخ 9 غشت 2014 و اللائحة طويلة .

    فهل نحن أمام عودة التاريخ الأمريكي القديم بكل مآسيه و قيم العبودية التي رسخها منذ الحملات الإستعمارية و تجارة العبيد و قهر الإنسان و استعباده التي ميزت تاريخ أمريكا القديم الأسود منذ أن تم وصول أولى طلائع جيش العبيد و استقراره بالجنوب الأمريكي و ما صاحبه من ممارسات وحشية اتجاه الأفارقة و نضال طويل من أجل الحقوق المدنية و إسقاط العنصرية فكان الاندماج العرقي الشامل الذي يقتضيه قانون الحقوق المدنية لسنة 1964 مجرد بداية في معركة القضاء على العنصرية الشاملة و حينها في التعليم و الوظائف و المرافق العامة و التي لم تنته لحدود الساعة، و لم يحصل الناخبون السود على حماية قانونية سوى قبل ذلك بعامين و كان الإسكان العادل على وشك أن يكون قانونا سنة 1968 كما تؤكد ذلك الباحثة “شارون اوستين” .

    سنلاحظ الآن أن الأمريكيين الأفارقة يشتغلون في مناصب هامة و رفيعة (عمداء ، حكام ، وزراء ، رؤساء تنفيذيين في شركات بل حتى رئيس مع اوباما ..) سيظهر لك الوضع على انه مغاير عما ساد ستة 1968 .

    و الحال أن الأمر غير صحيح كما تقر “شارون اوستين” الباحثة في الحياة السياسية للاقليات “اعلم انه بينما تحسنت بعض الاشياء تحسنا ملحوظا بالنسبة للامريكيين السود في الخمسين عاما الماضية، إلا أننا اليوم لا زلنا نخوض العديد من المعارك التي خاضها الدكتور كينغ في عصره”، حاولت استاذة العلوم السيلسية و مديرة برنامج الدراسات الامريكية الإفريقية “شارون اوستين” الإجابة عن سؤال هل فعلا تحسنت حياة السود الأمريكيين بعد مقتل “مارتن لوثر كينغ”؟ للإجابة عقدت مقارنة بين أوضاع السود سنة 1968 و حالتهم الآن من الناحية الاقتصادية و المالية و القانونية مبرزة جهود الذكتور كينغ في القضاء على العنصرية المؤسسية لتخلص إلى أن الأمريكيين السود يعتمدون اليوم إعتمادا كبيرا على الإعانات الحكومية أكثر مما كانوا عليه سنة 1968، خلال الفترة الممتدة من 1965 إلى 1968 شهدت الولايات المتحدة الأمريكية 150 حالة من الحركات الإحتجاجية لدوافع عرقية و انتفاضات أخرى، جسدا غضب الأميركيين إتجاه الحكومة التي كانت – بحسب اللجنة الوطنية الإستشارية المعنية بملف الإضطرابات المدنية- “تتجه الى أن تكون مجتمعين، مجتمع أبيض و اخر أسود، منفصلين و غير متساويين” أنه توصيف واقعي صريح لواقع حال تلك المرحلة التاريخية الهام في مسار أمريكا الحديثة، حيث نجد حينها أن 10 في المئة فقط من البيض يعيشون تحت خط الفقر في مقابل 34 في المئة من السود ، و 2،6 في المئة من البيض باحثين عن العمل في مقابل 6،7 في المئة من السود باحثين عن الشغل، و هي أرقام تبين التفاوت الواضح بين العرقين في العدالة الوظيفية و الإجتماعية داخل المجتمع  الأمريكي.

    وضع دفع كينغ لتنظيم “حملة الفقراء” لتسليط الضوء على محنة السود الأمريكيين و باقي الفقراء داخل جنة الديمقراطية الوهمية، فهل انتقاصة السود الاخيرة تدخل ضمن خانة نفس الحملة كما يجعلها استمرارا لوضع أمريكا المريض، اغتيل “مارثن لوثر كينغ” في 28 ماي 1968 و لكن هل اغتيل الحلم الاسود و الملون بالحرية و المساولة الفعلية في الحقوق و الواجبات و حنط قدرهم في ان يكونوا دائما طاحونة أزمات المجتمع الامريكي المريض و أن يكونوا مجرد جنود في المارينز لحماية الرأسماليين و البيض. صرخ “رالف ابرناثي” الوزير الأمريكي ذا الاصول الأفريقية و الذي حمل مشعل  كينغ و قال “نطالب بفتح الأبواب أمام 50 مليون أمريكي لم يحصلوا على حصة عادلة من الثروة و الفرصة الأمريكية” مضيفا “و سوف نناضل” كما أطلقها السود اليوم “لن نتراحع”.

    فما بين 1965 و الوضع الحالي مرورا بسنة 1968 هل تقدم السود و معهم الملونون؟ و هل حصلوا على نصيبهم و على حصة عادلة من الثروة؟ و هل حصلوا حتى على فرصة للحصول على ذلك؟ أسئلة تبقى مشروعة، الوضع أكثر قتامة، الفقر لا زالت مستوياته مرتفعة، سنة 1968 عاش 25 مليون أمريكي، أي 13 في المئة من السكان، تحت خط الفقر، و في سنة 2016 ارتفع الرقم إلى 43،1 مليون أمريكي، اي ما يقارب 12،7 في المئة يعيشون تحت خط الفقر، و معدل الفقر لدى السود اليوم يصل إلى 21 في المئة و هو يمثل أضعاف نسبة الفقر بين البيض و كذلك مستوى الأمن المالي الذي لم يتعد في أحسن  حالاته سنة 2018 لدى السود نسبة 57،30 دولار من كل 100 دولار حصلت عليها عائلات البيض، و من كل 100 دولار في ثروة العائلات البيضاء حصلت عائلات السود على 5.04 دولار فقط هذا ذون الحديث عن العائلات السود التي تعيلها نساء غير متزوجات، في الستينيات كان الرقم 20 في المئة من الآسر و في السنوات الاخيرة انتقل الرقم إلى 72 في المئة.

    الخلاصة هو مزيد من الاعتماد على الإعانات الحكومية عما كانوا عليه سنة 1968 بحوالي 40 في المئة من الأمريكيين الأفارقة فقراء بما يكفي للحصول على إعانة و مساعدة سكانية و برامج حكومية تقدم دعما متواضعا إلى أقصى حد للعائلات التي تعيش تحت خط الفقر في مقابل 21 في المئة من اللاثين و 18 في المئة من الاسيويين و 17 في المئة من البيض، الكاتبة “ميشيل الكسندر” حملت العنصرية المؤسسية المسؤولية، فيما يرى “كوتس” ان العنصرية اعاقت الامريكيين الافارقة على مر التاريخ، على نحو يستحق التعويض، مما يعيد أحياء مطالب لها تاريخ، “الكسندر” اعتبرت التنميط العرقي و السجن الشامل للأمريكيين الأفارقة هما فقط أشكال معاصرة من العنصرية المؤسسية القانونية التي حكمت ذات مرة جميع أنحاء أمريكا الجنوبية، وضع اقتصادي حاول كينغ التصدي له من خلال قانون “الحقوق الاقتصادية” من أجل أمريكا عادلة. سنة 1992 صرحت الأديبة الأمريكية “توني مورسيون” لصحيفة “الغارديان” البريطانية بقولها “في هذا البلد، أن تكون امريكيا معناه ان تكون ابيض اللون، أما كل شخص ليس كذلك، فعليه أن يرفق أصله مع كلمة امريكي”، و التاريخ العنصري الأمريكي عريق ففي سنة 1661 تم إصدار قانون “تمازج الاحناس” و الذي يحظر الزواج بين الأفراد من عائلة اعراق مختلفة في صيغة قانون في “ماريلاند” بعد فترة من جلب المستعبدين إليها، و استمر هذا القانون إلى حدود ستينيات القرن 20 في 21 ولاية أمريكية، و آخر ولاية الغت الحظر هي ولاية “الاباما” سنة 2000.

    “توماس جيفرسون” الذي وضع الصيغة النهائي لدستور إعلان استقلال أمريكا و الذي نص في سطوره الاولى “أن كل البشر قد خلقوا متساوين، و أن خالقهم قد وهبهم حقوقا لا يجوز انتزاعها او التفريط فيها”، قانون في صيغته النهائية لم يتسع ليشمل حقوق السود و الملونين لإلغائه الفقرة التي كانت تنص على ادانة العبودية، و “جيفرسون” كان من ملاك العبيد كما انه تعرض لانتقادات من المندوبين الذين كانوا يستغلون العبيد السود و هو ما أدى أدى إلغاء فقرة إدانة العبودية، مع الإشارة إلى ان 8 رؤساء لأمريكا من أصل 12 كانوا ملاكا للعبيد، إذن فالأمر يتعلق “ببنية اقتصاد سياسي امريكي”   منذ تلك الفترة، ففي هاته السنة كان العبيد السود يشكلون 50 في المئة من السكان الذي يشتغلون في حقول التبغ بالجتوب الامريكي (فرجينيا، ماريلاند و كارولينا الشمالية) لينتشروا بعد ذلك في حقول الأرز في مناطق أبعد بالجنوب الأمريكي، 8 من الرؤساء الأمريكيين كانوا ملاك عبيد دعموا جماعات أعادت عشرات الآلاف من الأمريكيين السود الأحرار من مواليد الولايات المتحدة الأمريكية إلى ليبيريا في القرن  19 .

    إلغاء العبودية من قبل “أبراهام لنكولن” سنة 1865بعد الحرب الاهلية لم يأت كما يسوق كشعار مركزي بل كان بهدف منع السود من مساندة الجنوبيين و الإنجليز خلال الحرب الأهلية. و هو ما دفع خبراء الى اعتبار ان الحرب الأهلية قد تركت السود الأمريكيين أحرارا و لكن في “وضع غير محدد” في الوقت الذي تم فيه تمرير تشريعات تمنع السود من ان يكونوا أحرارا بالفعل.

    حل الركود الاقتصادي و خرج فرسان الظلام ليحرقوا  منازل السود و ليثور الأمريكيون السود و يتوجهوا في مسيرات صوب واشنطن مطالبين بالتغيير، كما يحدث اليوم، و إسقاط قوانين “جيم كرو” العنصرية التي كانت تمنع الأمريكيين السود حتى من الشرب من نوافير المياه نفسها او تناول الطعام في نفس المطاعم التي يلجها البيض او ولوج نفس المدارس، استمر الوضع على ما هو عليه، خلال ستينيات القرن 20 متظاهرون سوف يحملون نعشا كتب عليه “هنا يرقد جيم كرو” و من هنا تتوضح شرعية إسقاط ثماثيل من المراحل العنصرية التي حملت الالم في الذاكرة الجمعية للسود و الملونين. بعد الحرب العالمية الأولى هاجر مليونان من الأمريكيين السود إلى الولايات الشمالية نتيجة الازمة و قد قيدت كل الولايات حركتهم و إقامتهم في أماكن محددة، دستور ولاية “اوريجون” لم يقر انهاء الفصل العنصري بامر تنفيذي الا سنة 1948، و قضت المحمكة العليا سنة 1954 في قضية “براون ضد مجلس التعليم” بعدم دستورية الفصل في جميع انحاء البلاد و ان المدارس يحب ان تذمح السود و البيض.

    قاد زعماء الحقوق المدنية عدة مسيرات مناهضة للفصل العنصري، كما فعل الأمريكيون السود بعد اغتيال كينغ حيث انشاوا مدينة خيام على أرض منتزه “ناشونال مول” في واشنطن، أطلقوا عليه اسم “مدينة البعث” لتوجيه الانتباه إلى المشكلات المصاحبة للفقر. بقي الوضع متحركا إلى ان وقع الرئيس الأمريكي “ليندون جونسون” سنة 1964 “مرسوم الحقوق المدنية” ليصبح قانونا، الأكاديمي و الكاتب الأمريكي “إدوارد بابتيست” يقول “النصف الذي لم يتحدث عنه أحد قط، العبودية و صناعة الرأسمالية” و الذي يقول فيه “لقد اختفت العبودية لكن قوانين جيم كرو و عصره لا تزال على قيد الحياة، فقد اقصيت الغالبية العظمى من الأمريكيين الأفارقة من صناديق الاقتراع، و حيل بينهم و بين القوة التي يمكن أن يتحصلوا عليها من خلالها”، حاول قانون 1965 تصحيح الوضعية، و حضر التمييز العنصري لكن تلك القوانين ألغيت بقرار من المحكمة العليا سنة 2013.

    اماط موضوع الديون المالية اللثام عن 250 سنة من العبودية ليعود لتصدر النقاشات  السياسية بهدف مواجهة التمييز العنصري الذي لا يزال قائما حتى اليوم، فقد أظهرت دراسة أجراها “مركز بيو للأبحاث” سنة 2017 أن متوسط الدخل للأسر البيضاء كان 171 ألف دولار، اي 10 أضعاف دخل أسر السود (17100 دولار)، كما استمر مستوى الحد من التصويت خاصة داخل الولايات الكونفدرالية السابقة التي دعت الى الانفصال، 33 مليون ناخب أمريكي حذفوا من قوائم التصويت سنة 2014، يقول “كارول اندرسون” ليس من المستغرب أن تتركز عمليات الإزالة الجماعية هذه، في الدوائر الانتخابية التي تميل ان تكون ذات عدد سكاني اعلى من الأقليات و تصوت لصالح الحزب الديمقراطي”.

    اضافت الوضعية الوبائية نتيجة كورونا الوضع قثامة إلى الوضع الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي المريض اصلا، حيث سجلت أعلى نسبة وفيات داخل صفوف السود الامريكيين، السود الذين يشكلون 14 في المدى من السكان حصدوا في المقابل 42 في المئة من الوفيات بسبب كورونا، أرقام حيرت المختصين الذين طالبوا السلطات نشر احصائيات وطنية من أجل التمكن من فهم هذه الظاهرة، 42 في المئة من الوفيات من محموع السكان في ولاية “الينوي” ذات 14 المئة من السود، 72 في المئة في شيكاغو و الذين يشكلون فقط ثلث السكان، في ولاية “لويزيانا” حيث تقع مدينة “نيو اورينز” سجل 70 في المئة وسط نسبة 33 في المئة من السكان، الحكومة الأمريكية أعلنت أن عدد الاصابات بين السود هي أربعة أضعاف نسبتها لدى البيض، كما اشار برنامج التأمين الصحي الوطني الأمريكي ان عدد المصابين بكورونا من السود و اللاثينيين هي الأكبر في أمريكا.

    أسئلة كثيرة تطرح حول هاته الوضعية و التي لا يمكن فصلها عما تم تقديمه من مسار تاريخي من المعاناة المستمرة للسود الامريكيين اضافة إلى غياب التغطية الصحية و نقص الرعاية الصحية و انتشار أحياء الفقر حيث يقيم السود و هو ما يبين ان خط الثورة مائل ليتسع من أجل احتثات الاستغلال و الاستعباد و الحرمان التي تميز أمريكا كوجه بشع لا كجنة كما  حاول تسويقها “فوكوياما” أحد منظري المحافظين  في أمريكا الذي حاول إيهام العالم ان نهاية التاريخ رسمت في أمريكا مهد “الحرية و الديمقراطية و الليبرالية” .