بقلم مليكة بوخاري / القنيطرة
ما يعيشه العالم والإنسان اليوم من تحولات كبرى نتيجة كورونا وضمنه العالم العربي والإسلامي سيؤدي حتما إلى قلب المعادلات الكونية خاصة بعد انكشاف عجز المنظومات المدنية و الصحية على مجابهة الجائحة، مما خلق حاضرا موبوءا ومستقبلا غامضا على الرغم من التحولات الكبرى التي رافقت صحوة الغرب مع عصر التنوير و الثورات السياسية و الفكرية و الدينية و الأخلاقية و الصناعية … التي شهدها الغرب الرأسمالي حينها و ميلاد الفكر الاشتراكي و انهيار الاتحاد السوفياتي مع انهيار حائط برلين و تحول العالم الى عالم القطبية الواحدة بتبعاتها الشاملة التي لحقت العالم اجمع.
فيما فشل العالم العربي في اللحاق بالثورة العالمية و تحقيق النهضة و الى الآن، الأمر الذي يطرح سؤالا مفتوحا و يبقى مشروعا حول عوامل التخلف في العالم العربي؟ و الأسباب التي حالت دون تحقيق النهضة و بالتالي مواكبة التطور؟ هذا التطور الذي لا يعني بأي حال من الأحوال شراء الأسلحة و تخزينها و استيراد التكنولوجيا الغربية كما السلع، ليتحول بذلك إلى عالم مستهلك لكل شيء حتى القيم على الرغم من الثروة النفطية الهائلة التي يتوفر عليها و لكن و يا للاسف لم يتم الاستفادة من فائضها لتحفيق صحوة و نهضة فعلية شاملة، فما المعيقات التي حالت دون هذا التحول؟
و البدء سيكون بسؤال طرح أبان مرحلة عصر الأنوار و هو: هل يمكن بناء نهضة بدون عقل ناهض كسؤال ابيستيمولوجي ضروري كما طرحه المفكر المغربي الكبير “محمد عابد الجابري” في نقده للعقل العربي.
إن أي انطلاقة فعلية لا يمكن أن تتحقق دون سيادة العقل و الأدلة على الحواس باعتبارها مصدرا أساسيا للمعرفة، و ذلك من خلال مساءلة الماضي العربي و إخضاعه لسلطة النقد، و لن يتأتى هذا إلا بوجود الحرية كسبيل موصل لتحقيق هانه النقلة و بالتالي الرقي و تكريس قيم التسامح و الأخوة و بناء مؤسسات دستورية من خلال ديمقراطية حقة و فعلية و ضرب كل أنواع الإستبداد و التسلط و قتل العقل و الإنسان المعطلة للتقدم. فالمطلوب كما يقول أحد الرواقيين اليونان “ابيقور” هو تحرير الناس من الخوف، و دفعهم للإيمان بسلطة العقل و أعماله في الحياة جنيا إلى جنب مع العلوم التجريبية كادوات فعالة لتحقيق النمو، و المدخل هو بناء الإنسان باعتباره القاعدة الأساسية للتطور، و لن يتأتى ذلك إلا بالتحرر من الخوف و من هيمنة السلط المكبلة لهاته العملية و تشجيع العلوم و البحث العلمي على حساب سلطة الركون للجمود و الخرافة و الانتظارية القاتلة للتطور التي تسود وضع العالم العربي الراهن، و تجاوز حالة الخمول و وهم الحرية لدى الافراد لعدم وجود الشجاعة للبحث عن الحقيقة كما يقول “جون لوك” “إذا كنت أملك كتابا يفكر لي، و مديرا روحيا يفكر لي، إذن لم أعد بحاجة للتفكير لي، لست بحاجة للتفكير اذا كان من الممكن أن ادفع فقط”، فالإنسان لن يتعلم دون أن يسقط، فالسقوط مرحلة هامة في عملية البناء، و لكن الخوف من السقوط يبقيهم دائما أطفالا طوال حياتهم.
المطلوب إذن هو تكوين الإنسان العربي و تعليمه ان يصبح ناجحا و قادرا على الاعتماد على نفسه و استعمال عقله للتحرر من المعتقدات الغريزية في الحقائق المعطاة و الخرافات و الجهل، أي إعادة بناء “الإنسان المتحرر من قادورات السلطة”، و كما يقول “جون جاك روسو” “ولد الإنسان حرا، لكن قيد بعد ذلك بالقيود”، فالمطلوب هو “خروج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه” كما يقول “إيمانويل كانط”، أي التحرر من سلطة العجز الذاتي عن استعمال العقل لأنه مكبل بسلطة إرشاد الغير لهذا العقل. و في ذلك يقول “كانط” “إذا كان لدي كتاب يقوم مني مقام العقل، و مرشد يقوم مني مقام الضمير، و طبيب يقدر أي نظام غذائي أتبعه …الخ عندئذ لا أحتاج حقا إلى بذل أي جهد، و ألا اضطر الى التفكير ما دام بوسعي أن ادفع، فسيتكفل آخرون بهذا العمل الممل نيابة عني”.
فالإنسان هو المسؤول عن حالته بين ان يكون حرا بالعقل او عبدا بالغير، حينما يبقى عبدا لكل السلط المعطلة لأعمال العقل في كل القضايا، و هنا نذهب مع “الجابري” الى ضرورة التحرر من سلطة الأعرابي كصانع للوعي العربي، حيث أقر الجابري بالقول “لن نبالغ إذا جنحنا الى القول بأن الأعرابي هو فعلا صانع “العالم” العربي”. إن المطلوب حسب الجابري هو هو العودة إلى العقل البرهاني الذي أجهز عليه الأشاعرة بعد أن نفوا السببية و ركزوا على الفاعل، و العقل السياسي الديمقراطي الذي اجهز عليه بعد موت النبي لصالح القبيلة و الغنيمة و الريع النقدم للولاء ، ثم الملكية مع الامويين، وفقهائهم الذين اعتبروا “العمل ليس شرطا للإيمان” بهدف إبقاء هؤلاء الفاسقين في الحكم، و أيضا تجاوز الفكر الأخلاقي كما رسمه “الحارث بن أحمد المحاسبي” و “الغزالي” من بعده القائم على الاستعداد للموت و للآخرة فقط فقط دون مساءلة او محاسبة او انتقاد القائم السائد أي تعطيل استعمل العقل في الأخلاق من خلال تعطيل الشق العملي متها الوارد في النص الديني، و تحقيق ما ذهب إليه “الماوردي” كحد أدنى آي الجمع بين أخلاق الدين و الدنيا.
و تجاوز العقل البياني المنتصر للفظ على حساب المعنى و كذلك تجاوز العقل العرفاني او العقل المستقيل اعتبارا لهروبه من عالم الواقع كلما اشتدت وطأة الواقع على الفرد و الذي لا يعرف كي يتجاوز فرديته. ان المطلوب هو القيام بعملية مراجعة للوجود الفردية و المؤسساتية و البنيوية من خلال النقد و توجيه العقل لوضع كل تلك المسلمات موضع شك منهجي كما فعل ديكارت في مشروع الكوجيتو بغية بناء عقل عربي خالص و ايضا بناء الانسان العربي الفاعل لا المنفعل و المتحرر من سلطة الداخل ذات الطبيعة المقدسة لقتل العقل و المشجعة على سيادة الخرافة ، و أيضا التحرر من سيطرة الخارج المتحكم في كل ذواليب الحياة، من الاقتصاد الى الفكر مرورا بالسياسة و السيادة، و تجاوز حالة اليأس التي نعيشها في راهننا عبر إحداث قطيعة مع هذا الراهن الموبوء .
ان المطلوب إنشاء قيم جديدة تكون قادرة على مجابهة صعوبات الواقع الراهن و تجاوز التخلف والقطيعة الإبيستيمولوجية مع الماضي و بناء الانسان عبر تشجيع التعلم و محاربة الجهل من توسيع حضور العقل و التفكير العقلاني في جميع المجالات بدل الاكتفاء بالاستهلاك لمنتجات و تكنولوجيا الغرب و قتل العقل و هو حال منظومتنا التربوية و التعليمية و يا للاسف.
















إرسال تعليق