تازة… مدينة بتاريخ عريق تنتظر تأهيلا سياحيا يليق بموروثها

  • بتاريخ : فبراير 28, 2026 - 3:32 م
  • الزيارات : 259
  • جمال بلــــة

    تعد مدينة تازة واحدة من أعرق الحواضر المغربية، بما تختزنه من رصيد تاريخي وحضاري يمتد عبر قرون، جعلها حلقة وصل استراتيجية بين شرق المملكة وغربها، وبوابة طبيعية بين السهول والجبال، غير أن هذا الغنى المادي واللامادي، ورغم قيمته الرمزية والثقافية، لا يزال في حاجة إلى رؤية تأهيل سياحي شاملة تعيد للمدينة مكانتها وتنسجم مع خصوصيتها العمرانية وهويتها التاريخية.

    فالمدينة العتيقة بأسوارها وأبوابها التاريخية، ومساجدها العريقة، وأزقتها الضيقة ذات الطابع المعماري المميز، تشكل لوحة متكاملة تحكي تعاقب الحضارات على المنطقة، كما يحتضن محيط تازة مؤهلات طبيعية فريدة، يتقدمها المنتزه الوطني لتازكة، والمغارات الطبيعية الشهيرة، التي تعد من بين أبرز المواقع البيئية على الصعيد الوطني، ما يمنح المدينة إمكانات كبيرة لتطوير سياحة ثقافية وإيكولوجية مستدامة.

    وإلى جانب هذا الموروث المادي، تزخر تازة بتراث لامادي غني يتمثل في الفنون الشعبية، والعادات والتقاليد، والمواسم والاحتفالات، والصناعات التقليدية التي تعكس عمق الهوية المحلية، غير أن هذا الرصيد الثقافي لا يحظى بعد بالتثمين الكافي ضمن رؤية سياحية مندمجة قادرة على تحويله إلى رافعة اقتصادية حقيقية.

    ويرى متتبعون للشأن المحلي أن المدينة تعاني من ضعف البنية التحتية السياحية، وقلة الفضاءات المهيأة لاستقبال الزوار، إضافة إلى الحاجة إلى ترميم وصيانة عدد من المعالم التاريخية التي تشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية، كما أن غياب ترويج سياحي فعال يحد من إشعاع تازة على المستويين الوطني والدولي، رغم موقعها الاستراتيجي ومؤهلاتها المتنوعة.

    إن تأهيل تازة سياحيا يقتضي اعتماد مقاربة تشاركية تنطلق من تثمين الذاكرة التاريخية، وتحسين جمالية الفضاءات العمومية، وتطوير العرض الفندقي والخدماتي، وتنظيم تظاهرات ثقافية قادرة على استقطاب الزوار طيلة السنة، كما يستدعي الأمر إشراك المجتمع المدني والمهنيين والباحثين في بلورة تصور مندمج يحترم هوية المدينة ويعزز جاذبيتها.

    إن الاستثمار في السياحة الثقافية والبيئية بتازة لا يمثل فقط فرصة لتنشيط الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل، بل يشكل أيضا وسيلة للحفاظ على الموروث المشترك وصونه من الاندثار، فالمدن التي تنجح في استثمار تاريخها بشكل عقلاني ومستدام، هي التي تستطيع أن تحول ذاكرتها إلى قوة ناعمة تعزز حضورها في المشهد الوطني.

    وتبقى تازة، بما تحمله من رمزية تاريخية ومؤهلات طبيعية وثقافية، في حاجة إلى إرادة قوية وبرامج عملية تعيد لها إشعاعها، وتجعل من تأهيلها السياحي مشروعاً استراتيجياً ينسجم مع عمقها الحضاري، ويستجيب لتطلعات ساكنتها في تنمية متوازنة ومستدامة.