مستوى محاربة الفساد و الرشوة من تحسن الصورة إلى تقهقرها من المسؤول ؟

  • بتاريخ : يناير 14, 2021 - 9:21 م
  • الزيارات : 179
  • بقلم : محمد العوش

    نظرا لما تتسبب فيه الرشوة من أضرار ليس على الأفراد فحسب ، بل على المجتمعات و الاقتصاديات الوطنية ، لذلك خصصت بلادنا ، السادس من يناير من كل سنة ، يوما وطنيا لمحاربة الرشوة ، بل أن هاته الأخيرة مع الفساد تم اعتمادهما معيارين أساسين لقياس مدى تقدم الأمم و رقيها .
    الخبير المالي و الاقتصادي ، الأستاذ “مولاي إدريس علاوي” ، أكد أن الاقتصاد المغربي يتكبد سنويا خسارة مالية قدرها 50 مليار درهم ، أي ما يعادل 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام ، و هو رقم جد هام إذا ما قيس بحجم النتائج التي كان من الممكن تحقيقها في ظل النزاهة و الشفافية .
    و أشار الخبير الاقتصادي ، أن الحكومات مطالبة بالعمل من أجل محاصرة هذه الظاهرة ، مؤكدا أنها تساهم في التقليص من فرص الاستثمار ، و بالتالي إهدار فرص شغل حقيقية ، فإلى أي مدى استطاع المغرب التغلب على هاته الظاهرة المرضية التي تنخر الجسم المؤسساتي و الاقتصادي ؟
    على الرغم من الوعي المؤسساتي بضرورة محاربة الرشوة ، نظرا لخطورتها ، و انعكاساتها السلبية على كافة الأصعدة الاجتماعية و الثقافية ، و حتى الأخلاقية ، داخليا ، و مساسها بصورة المغرب خارجيا ، جرى اعتمادها إستراتيجية وطنية لتحسين شروط النمو الاقتصادي و جلب الاستثمارات الخارجية ، لذلك جرى اعتماد مجموعة من الإجراءات و التدابير للوصول إلى هذا الهدف ، من خلال سياسة شمولية مندمجة في إطار مكافحة الفساد و تخليق الحياة العامة .
    فهل استطاعت بلادنا الوصول إلى الأهداف المنشودة ؟
    دعا “علاوي” مختلف المتدخلين في الموضوع ، بما فيهم المواطن المغربي على وجه التحديد، للعمل على مجابهة هذه الظاهرة ، عبر محاصرتها قانونيا و تشريعيا ، مشيرا إلى أن التطورات الاقتصادية و السياسية التي تشهدها بلادنا ، تلزم تظافر جهود الجميع ، تحقيقا لتنمية البلاد ، و تعزيزا للتنافسية الإقليمية و الدولية ، و الأهم هو إعادة الثقة للمواطنين في علاقتهم مع الإدارة.
    على الرغم من البرنامج الحكومي المدرج من خلال إعداد مشروع ميثاق وطني للوقاية من الرشوة و محاربتها المرتكز على إستراتيجية عامة هادفة إلى تخليق الحياة العامة ، و ترسيخ مبادئ الشفافية و النزاهة في تدبير الشأن العام ، قائمة على ستة محاور كبرى ، تتمثل في إرساء علاقات شفافة للإدارة بالمرتفقين ، و تدعيم قيم النزاهة و الاستحقاق بالإدارة ، و تقوية الآليات الرقابية الداخلية داخل الإدارات العمومية ، و تعزيز الشفافية في مجال التدبير المالي و الصفقات العمومية ، و مواصلة إصلاح المنظومة القانونية المتعلقة بالوقاية من الرشوة و محاربة الفساد ، و تشجيع الشراكة و التعاون على المستوى الوطني و الدولي.
    و تعزيز هذا البرنامج من خلال التشجيع على التبليغ عن أفعال الارتشاء ، و ضمان الحماية القانونية للضحايا و الشهود و المبلغين ، و توسيع دائرة التجريم و أطراف الرشوة ، و مراجعة نظام العقوبات المطبقة على أفعال الفساد ، و تدعيم دور وحدة معالجة المعلومات المالية في الوقاية من غسل الأموال وإطلاق موقع لمحاربة الرشوة ، بشراكة مع وزارة الصناعة و التجارة و التكنولوجيات الحديثة ، من خلال الوكالة الوطنية للنهوض بالمقاولات الصغرى و المتوسطة ، و الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب ، و وزارة العدل، و وزارة الشؤون الاقتصادية و العامة ، وبدعم من وكالة التعاون التقني الألماني ، من اجل النهوض بقواعد الحكامة الجيدة ، و المنافسة الشريفة في مجال الأعمال .
    رغم كل ذلك ، تبقى تلك الجهود عاجزة عن توقيف سريان هذا السرطان المجتمعي و الاقتصادي و الأخلاقي ، و هي الحالة التي لخصها رئيس الهيئة المركزية لمحاربة الرشوة ، عبد السلام أبو درار ، في صعوبة قياس حجم طبيعة الفساد بمؤشرات موضوعية مضبوطة ، و غياب التقييم الموضوعي و المنتظم للسياسات العمومية ، و النظرة العامة السلبية ، أو عدم التجاوب مع مجهودات المكافحة ، و تأخر ورش إصلاح قطاع العدالة .
    و أكد رئيس الهيئة الوطنية على أنه ” لا يمكن تحقيق تنمية شاملة و مستدامة في ظل استفحال ظاهرة الرشوة ، لذلك بات من الضروري ضمان تفعيل جدي لمختلف الإجراءات و السياسات لمحاربة الرشوة و الفساد في أفق الحد من استفحال هذه الظاهرة و القضاء عليها” .
    الحديث الرسمي عن المنجزات يقابل بواقع رصد سلبي عالمي لمنسوب قطرات الإجراءات المتخذة في هذا الباب ، فمؤشر الرشوة و محاربة الفساد صنف المغرب في المركز 73 عالميا من أصل 180 دولة وفق تقرير 2018 ، حاصلا على 44 من أصل 100 نقطة ، لكن في سنة 2019 و بدلا من أن يتحسن مؤشر المغرب ، على العكس من ذلك سجل تراجعا بالمقارنة مع السنة السابقة وفق ما أعلنت عنه منظمة “ترانسبرانسي” في ترتيب مؤشر “إدراك الفساد” لسنة 2019، و البارومتر العام للرشوة ، و مؤشر الدفاع الحكومي .
    أحمد البرنوصي ، الكاتب العام لـ “ترانسبرانسي المغرب” قال ، إن “المغرب تراجع في ما يتعلق بالرتبة و النقطة خلال السنة الماضية مقارنة بسنة 2018 ، فقد كان المغرب في المرتبة 73 من أصل 180 دولة سنة 2018، وأصبح في سنة 2019 في الرتبة 80 عالمياً، ما يعني فقدانه سبع مراتب” .
    و فيما يخص النقطة ، حصل المغرب سنة 2018 على 43 من أصل 100 ، و في سنة 2019 حصل على 41 من اصل مائة ، أي أنه فقد نقطتين .
    و للإشارة فإن مؤشر إدراك الفساد يعتمد على 13 دراسة استقصائية مختلفة لتحديد درجة و تصنيف الدول على سلم الرشوة و العجز على مستوى الشفافية ، منها الوضع في القطاع العام ، من خلال تعيين يعتمد على درجات ، تتراوح من 1 (جد فاسد) إلى 100 (قليل الفساد) ، كنقطة حسب تقييمات الوكالات ، من بينها المنتدى الاقتصادي العالمي و مؤشر التحول لمؤسسة “برتلسمان” .
    و قد منحته الأولى نقطة 52 في سنة 2019 مقابل 57 سنة 2018 ، و اعتبرت الجمعية هاته التغييرات فجائية ، حيث قالت إن “هذه التغييرات بمثابة لغز” .
    و أوضحت الجمعية ، أن المغرب قد حصل على متوسط 38,75 كنقطة خلال السنوات الثماني الماضية ، و هو ما يعني “غياب أي تغيير نحو محاربة الفساد ، و الاستمرار و الركود في منطقة الفساد النسقي” .
    فما هي العوامل التي أدت إلى هذا التراجع على الرغم من الحديث عن مجهودات كبرى لتحسين الصورة ؟
    أحمد البرنوصي ، رئيس الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة ، رأى أن تراجع المغرب في هذا المؤشر يعني “عدم وُجود استمرارية في محاربة الرشوة” ، و قال إن ذلك راجع إلى كون “الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد التي صُودق عليها سنة 2015 لم تُفعل بالشكل المطلوب” .
    استطلاعات الرأي المنجزة من طرف الجمعية أكدت أن 53 في المائة من المواطنين اضطروا لدفع رشوة لتلقي بعض الخدمات الاجتماعية مثل الصحة و التعليم .
    رئيس الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة يرى أن “هذه مؤشرات تُبين أن المغرب ما يزال مطلوباً منه بذل العديد من المجهودات من أجل تفعيل الاستراتيجية ، و مراجعة عدد من القوانين غير الفعالة مثل قانون حماية المبلغين عن الفساد ، و قانون التصريح بالممتلكات الخاصة بالمسؤولين السياسيين و الإداريين” .
    و ربما يكون النقاش الدائر حاليا على مستوى البرلمان حول الاغتناء غير المشروع في فصول القانون الجنائي المدخل لتحسين الصورة ، و الزجر العملي المدخل للإقلاع الاقتصادي و السياسي و المجتمعي و الأخلاقي .
    علما أن مستوى الفساد في المغرب وفق البارومتر العام ، الذي كشفت عنه “ترانسبرانسي المغرب” سنة 2019 وصل إلى 31 في المائة ، و هو معدل مرتفع جداً استناداً إلى مؤشرات قطاعات عديدة مثل الصحة و الشرطة .
    وفق نتائج البارومتر ، فإن 53 في المائة من المغاربة يرون بان الفساد عرف ارتفاعاً خلال الإثني عشر شهرا الماضية ، مقابل 12 في المائة فقط رأوا أنه في انخفاض ، في حين صرح 26 في المائة منهم بأن الوضع بقي على ما هو عليه .
    و أن غالبية المؤسسات العمومية سجلت مُعدلات مرتفعة في ما يخص الفساد ما بين 2015 و 2019 ، و ذلك ملاحظ بشكل أكبر في أعضاء مجلس النواب الذي وصل 41 في المائة (مقابل 36 في المائة سابقاً ، و رئاسة الحكومة بـ 39 في المائة (مقابل 20 في المائة) ، إضافة إلى القضاة بـ 34 في المائة ، وفق تقرير “ترانسباروتسي المغرب” .
    سنة 2019 ، اعتبر 74 في المائة من المغاربة الذين شملهم استجواب ترانسبرانسي أن الحكومة تقوم بعمل سيء في ما يخص مكافحة الفساد ، بزيادة 10 نقاط مقارنة بسنة 2015 حيث كانت نسبتهم 64 في المائة .
    المؤشر الثالث الذي جرى تقديمه ضمن ندوة ترانسبرانسي يتعلق بمؤشر الدفاع الحكومي ، جاء فيه أن المغرب مُستورد مهم للأسلحة بميزانية مخصصة لقطاع الدفاع قدرها 36 مليار درهم ، أي ما يمثل 3,1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي .
    إنها بالفعل معطيات تعكس صورة قاتمة على مستوى مكافحة الرشوة و الفساد بالمغرب ، و المدخل هو القضاء على اقتصاد الريع أولا ، و تعزيز سلطة المؤسسات المسؤولة ثانيا للحفاظ على التوازن المطلوب في إطار تحقيق الشفافية و النزاهة في التعاطي مع كل القضايا الإشكالية التي تعوق النمو الاقتصادي و التطور الاجتماعي و تعزيز الديمقراطية و السلطة الرقابية و تحقيق أكبر استقلال فعلي للقضاء ليس لجذب الرساميل فقط ، بل لتحقيق ثقة المستثمرين في فضاء الأعمال المغربي .