محمد العوش
تكتسي السلطة القضائية أهمية خاصة في المسار العام للبناء المجتمعي ، باعتبارها أهم أركان ضبط التوازن داخله ، و الضمانة الفعلية لسيادة الحقوق و الواجبات و استقرار الأمن الفردي و المؤسساتي و ضمانة احترام حقوق الإنسان من خلال ضمان سيادة سلطة القانون في إطار مساواة حقيقية ممنوحة للجميع ، بما يعني كل ذلك من تحقيق نمو اقتصادي و تشجيع للاستثمار ، و إجمالا ثقة من قبل المؤسسات الخارجية في المؤسسات الرسمية تحقيقا للتنمية و التنمية المستدامة .
فضمان المحاكمة العادلة لا يعني في بعده الكوني الأمن القضائي الداخلي فقط بل الأمن الخارجي من خلال ثقة المستثمرين في الاقتصاد الوطني مما يمكنهم من ضخ الأموال ببلدنا و المساهمة في النمو الاقتصادي و الاجتماعي ، و هذا لن يتأتى إلا باستقلالية القضاء عن باقي المؤسسات الأخرى الرسمية ، و هذا ما يجعل هاته الاستقلالية محور الاهتمام العالمي ، بل أن هذا المقياس أصبح أساسا لقياس مؤشرات التنمية في دول العالم .
و الدستور المغربي لم يحد عن هاته القاعدة حيث نص على مبدأ استقلالية السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية و التنفيذية ، حيث وضع دستور سنة 2011لبنة أساسية في استقلالية السلطة القضائية ، و هو ما أشار إليه الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده في 9مارس 2011، و الذي أكد على ضرورة الارتقاء بالقضاء إلى مصاف سلطة مستقلة ، أمر نتج عنه إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية برئاسة جلالته ، كإشارة لدخول المغرب مرحلة فصل السلط ، حيث اعتبر الباب السابع” السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية و عن السلطة التنفيذية” ، مؤكدا في الوقت ذاته على أنه ” يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء ، و لا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات و لا يخضع لأي ضغط ، و يجب على القاضي ، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد ، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية” ، مجسدا بذلك توصيات الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة ، و التي تمت ترجمتها في القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و النظام الأساسي .
موقف شكل حماية للمؤسسات و الأفراد و الاستثمارات و توطيدا للديمقراطية التي اختارها المغرب منهاجا سياسيا ، ضمن سياق إصلاح دستوري ؛ و تجسيدا لمبدأ الشفافية و الاعتراف بسيادة القانون و خلق قضاء قوي ، و الذي لن يكون بهاته الصفة إلا إذا كان مستقلا قادرا على مقاربة مختلف القضايا و الملفات بنوع من الجرأة و النزاهة و الموضوعية بعيدا عن أي تدخل قد تباشره أي سلطة ، و أن يكون التعيين في المناصب القضائية خاضعا لعناصر ترتكز على الكفاءات و القدرات التعليمية و التدريبية المناسبة ، و تجاوز الصلاحيات الشكلية التي من الممكن أن تعوق السير العادل للقضاء تطبيقا للمعايير الدولية التي طالبت الدول في المادة 16 من إعلان حقوق الإنسان و المواطن لعام 1789 على أن “كل مجتمع لا تكون فيه ضمانات للحقوق ؛ و لا فصل للسلطات ؛ ليس لديه دستور” .
لجنة حقوق الإنسان في مؤتمر “سانتياغو” سنة 1961 أكدت على أن “وجود قضاء مستقل يعد أفضل الضمانات للحريات الشخصية ؛ و أنه يتعين وجود نصوص دستورية أو قانونية ترصد لتأمين استقلال السلطة القضائية من الضغوط السياسية و تأثير سلطات الدولة الأخرى عليها ، و ذلك بالحيلولة بين السلطتين التنفيذية و التشريعية و بين ممارسة أية وظيفة قضائية أو التدخل في إجراءات القضاء” .
فاستقلالية القضاء لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال مرتكزات ذات طابع شخصي ترتبط باستقلالية القاضي نفسه و حياده و حصانته المادية و المعنوية؛ وأخرى ذات طابع موضوعي ترتبط بتقوية القضاء بالشكل الذي يجعل منه سلطة حقيقية على قدم المساواة و لن يتحقق ذلك إلا بهاته الاستقلالية .
لذلك يعتقد عدد كبير من الباحثين أن وجود قضاء مستقل يؤكده و يحميه الدستور هو شرط أساسي للديمقراطية يتجاوز في أهميته إجراء الانتخابات ذاتها ، كل ذلك ترافق مع إحداث مجموعة من المؤسسات كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ، و مؤسسة الوسيط ، و إحداث هيئة المصالحة و الإنصاف و المجلس الملكي للشؤون الصحراوية و المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية … ، إضافة إلى إحداث المحاكم الإدارية التي تختص بالنظر في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية ، و المجلس الدستوري كبديل عن الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى ، الذي يسهر على مراقبة دستورية القوانين ؛ فضلا عن إلغاء محكمة العدل الخاصة و إصدار العديد من النصوص و التشريعات القانونية كمدونة الأسرة و مدونة الشغل …
فهل كانت كل هاته الخطوات بالنجاعة المطلوبة التي تضمن تعميق هاته الاستقلالية ؟
الأكيد أن التحولات الدستورية في مجال تحقيق استقلالية القضاء جد هامة لكنها تبقى خاضعة لمزيد من التوسيع تنفيذا لما ارتآه جلالة الملك و دعوته لترسيخ هاته القواعد منهاجا للعمل .
أكيد أن الظهير الخاص بالنظام الأساسي لرجال القضاء أكد على استقلالية القضاة و عدم جواز عزلهم و نص على مختلف الضمانات الكفيلة بتوفير الشروط اللازمة لتحصينهم و تأمين حمايتهم و حريتهم في اتخاذ الأحكام و القرارات .
فهل تحققت هاته الأهداف ؟
مدعاة هذا السؤال هو إحداث اللجنة المشتركة بموجب المادة 54 من القانون المنظم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ، و الذي طرح مسألة التنسيق بين السلطة القضائية و وزارة العدل و الذي اغضب محمد عابد النباوي ، كرئيس للنيابة العامة .
بالفعل إن هاته الخطوة تعد نكوصا عن التقدم الذي سجل في مجال استقلال القضاء ، لأن تجاهل رئاسة النيابة العامة و عدم إشراكها بشكل فعلي في القرارات الناجمة عن تلك اللجنة ، في المقابل حضور الوزارة الوصية يعتبر تهديدا فعليا لهاته الاستقلالية و تدخلا مباشرا في هذا الجسم الذي أعلنه دستور 2011 مستقلا عن السلطتين التشريعية و التنفيذية ، و ما عده رئيس لنيابة العامة انتكاسة لأنه لا يخدم المصالح القضائية ، و يضرب في الصميم مبدأ استقلال القضاء .
















إرسال تعليق