مليكة بوخاري / القنيطرة
نشر أستاذ رسوما مسيئة للنبي محمد (ص) ، و خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا ليدين الوضع ، بل ليساهم في إشعال التطرف المضاد ، ليفجر موجة من الغضب العارم في الشارع الإسلامي ، و يشعل مسار سل السيوف لقطع الرؤوس ، بدءا برأس الأستاذ وصولا إلى جثت و رأس مواطن فرنسي في نيس ، فما أسباب هذا التطرف ؟ و ما هي التحديات التي تواجه مسار علاقة فرنسا بالعالم الإسلامي ؟ و ما النتائج القريبة و البعيدة لهاته الحملات العنصرية المتطرفة التي تغزو العالم ؟ و هل الأصوات الانتخابية أصبحت أهم من شلالات الدم التي تسال في فرنسا و التي تهدد بانفجار وضع خطير ؟ و ما هي التداعيات المحتملة لهذا التطرف و التطرف المضاد ؟
لقد أصبح التطرف العنصري في العالم و خاصة في الولايات المتحدة، عائقا أمام تحقيق المساواة العرقية ، و شكل مقتل الشاب الأسود ِ”جورج فلويد” خنقاً تحت ركبة شرطي أبيض في 25 مايو الماضي مدخلا لإشعال احتجاجات ضد العنصرية ، وضع فجر تطرفا مضادا سعى إلى تقويض رموز تاريخية ، كانت العبودية جزءاً من تركيبتها الاجتماعية ، إن توجه التطرف المضاد ، صوب أبرز رموز التاريخ الأميركي ، مثل جورج واشنطن أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة و صانع دستورها و رئيسها الأول ، و محاولة إزالة تمثال توماس جيفرسون ، الكاتب الرئيسي لإعلان استقلال الولايات المتحدة عام 1776 ، و رئيسها الثالث .
أحداث “11 سبتمبر” في الولايات المتحدة ، و التي ارتبطت بانفجار طائرتين في البرجين، فجرتا في العالم كله موجة اتهامات ضد الإسلام و المسلمين ، قبل حتى إدانة منفذي عملية التفجير ، كانت التهمة جاهزة كإدانة ، “الإسلام دين الإرهاب و المسلمون إرهابيون و كفى” .
و أصبحت وسائل الإعلام تلصق أي عمل إرهابي بالإسلام و المسلمين ، سواء أكان للعرب و المسلمين علاقة مباشرة ، أو غير مباشرة ، أو ليس لهم أية علاقة بها على الإطلاق .
تفجيرات باريس ، حملت نفس السيناريو القديم – الجديد ، و انسياق كلي تقريبا ، نحو الرواية الفرنسية ، فرنسا بلد الحرية ، و باريس عاصمة النور، و الفرنسيون مثقفو أوروبا.. حسناً ، و لكن ، ما نفعها إن كان نتائجها ردا انتقاميا ، فهي لا تختلف عن القمع و الإرهاب و التطرف و المذهبية و الظلام و التعسف و الجهل و الذبح على الهوية … ؟
نعم.. نحب باريس، ونحب ثقافتها وفنونها ومتاحفها و كتبها و مسارحها و تشكيلها و معمارها و تاريخها العريق ، نحب عطورها الراقية ، و أزياءها الأنيقة … ولكننا لا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير التطرف الذي يودي بحياة الأبرياء .
فذبح المدرس الفرنسي هو حدث ، و هجوم نيس لا ينفصل عنه ، فمن يتحمل مسؤولية الهجومين ؟ هل الطالب من أصول شيشانية في الحالة الأولى ، أم الشاب التونسي البالغ من العمر 21 عاما ، و الذي كان قد وصل إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية الشهر الماضي على متن قارب للمهاجرين ، قبل أن يأتي إلى فرنسا ، في الحالة الثانية ،
الرئيس الفرنسي ماكرون وصف الحادثين بأنه “هجوم إرهابي إسلامي” ، أكيد أنه عمل إرهابي ، لكن الحقيقة الأوضح ، أن ماكرون هو “المسؤول الأكبر” .
صحيفة القدس العربي في افتتاحيتها المعنونة ب “إرهاب فردي و تجريم بالجملة” ، تقول إن هذه الجرائم “قضايا فرديّة يمكن أن تحصل في أي زمان و مكان”، و أن الأزمة الحقيقة تكمن في “اعتبار ماكرون، و تيّار كبير من وراءه ، أن المشكلة هي في الإسلام نفسه ، و بالتالي في المسلمين ، و بذلك يتحوّل الإرهاب الفردي إلى تجريم بالجملة لمليار و نصف المليار مسلم” .
الرد كان سريعا ، غضبا عارما في الشارع الإسلامي ، و دعوة قادها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمقاطعة المنتجات الفرنسية ، و حماية المسلمين “إذا تعرضوا للقمع في فرنسا” ، منتقدا ما أسماه ب “حملة الكراهية” التي يقودها ماكرون ضد الإسلام و المسلمين في بلاده .
الأمر خطير جدا ، حيث أصبح الإسلام و ليس الإسلام السياسي ، هو القضية الأكثر إثارة للجدل و المناقشة في وسائل الإعلام ، التي تعتبر أن الإسلام هو أصل الأزمة ، و هو ما ولد مزيدا من التطرف ، مع أن الإسلام يوفر إمكانيات مواجهة التطرف اعتبارا لعمقه الداعي للوسطية و الاعتدال و نبذ التعصب و التطرف و الدعوة إلى المحبة و الأخوة .
باريس التي تضررت من المقاطعة تدعو لوقفها مع إصرارها حسب تصريح ماكرون “لا شيء يجعلنا نتراجع” ، الخارجية الفرنسية قالت في بيان لها إن “الدعوات إلى المقاطعة عبثية و يجب أن تتوقف فورا ، و كذلك كل الهجمات التي تتعرض لها بلادنا و التي تقف وراءها أقلية راديكالية متطرفة” .
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تغريدة له على تويتر و باللغة العربية عبر عن تمسكه برفض” خطاب الحقد” و قبوله ” للخطاب السلمي” .
و العلاقات الفرنسية التركية تتدهور ، بعد استدعاء باريس سفيرها في أنقرة للتشاور بعد تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المهينة لنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون .
صحيفة الغارديان ، واكبت رد فعل العالم الإسلامي على تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، مشيرة إلى أن إحدى الصحف الإيرانية المتشددة وصفت ماكرون ب “شيطان باريس” ، و في شوارع دكا وصف ماكرون بأنه زعيم “لعبدة الشيطان” ، فيما أحرق العلم الفرنسي في كل من بغداد و صنعاء و كابول و إسلام أباد …
و تقول الصحيفة إن الغضب يتزايد في جميع أنحاء العالم الإسلامي من الرئيس الفرنسي و”هجماته المفترضة على الإسلام والنبي محمد” .
و السؤال المطروح ، هل معركة إيمانويل ماكرون مع الإسلام أم مع جماعات “الإسلام السياسي” ؟
الرئيس الفرنسي جعل الصراع مع الإسلام و ليس الإسلام السياسي ، و اختار لغة التصعيد حيث قال في حفل تأبين المعلم “لن نتخلى عن الرسومات و الكاريكاتيرات و إن تقهقر البعض” ، حيث ندد معلقون عرب بتصريحات الرئيس الفرنسي مبدين اعتراضهم على المصطلحات التي استخدمها في خطابه .
فيما أدان كتاب ما وصفوه ﺑ “إساءة ماكرون للإسلام” و “التصرف بصبيانية” .
الأزهر على لسان الإمام أحمد الطيب ، انتقد ماكرون ووصف تصريحاته بدعوة “للعنصرية” ، ردا على تصريح ماكرون في خطاب ألقاه الجمعة 2 أكتوبر/ تشرين الثاني بأن “الإسلام دين يعيش أزمة اليوم في جميع أنحاء العالم” ، تلك التصريحات التي جرت الكثير من الانتقادات لماكرون و اتهامات له بمحاربة الإسلام .
حيث اعتبر شيخ الأزهر بأن “نبينا صلى الله عليه وسلم أغلى علينا من أنفسنا ، و الإساءةُ لجنابه الأعظم ليست حريةَ رأيٍ ، بل دعوة صريحة للكراهية والعنف ، و انفلات من كل القيم الإنسانية و الحضارية ، و تبرير ذلك بدعوى حماية حرية التعبير هو فهمُ قاصرُ ، للفرق بين الحق الإنساني في الحرية و الجريمة في حق الإنسانية ، باسم حماية الحريات” .
فيما تعيد مجلة شارلي إيبدو الفرنسية نشر رسوم ، مسيئة للنبي محمد (ص) و مشاعر المسلمين ، و تساءل كتاب عن أسباب مواصلة المجلة استفزاز المسلمين ، فيما وصف آخرون هذه الأفعال بأنها “تحفيز على التحرش الديني” ، و دعوة للكراهية و العنف .
لكن السؤال المطروح ، “من هو الذابح الحقيقي للمعلم؟” ، هل هو الطالب ذا الأصول الشيشانية ؟ .
ذبح أستاذ في التعليم الثانوي جاء بعد عرضه على تلاميذه رسوما كارتونية مسيئة للنبي محمد (ص) سبق أن نشرتها مجلة شارلي إيبدو الفرنسية الساخرة ، ماكرون اختار لغة التصعيد حيث قال “لن نتخلى عن رسوماتنا” .
إعلاميون فرنسيون هاجموا ماكرون و اعتبروه المسؤول ، و أن خطابه كان “خطابا عدائيا للإسلام و المسلمين” ، و شددوا على “النشئة الاجتماعية” و “خطبة الجمعة” و تعليم و ترسيخ قيم التسامح .
محيي الدين عميمور رأى في صحيفة “رأي اليوم” اللندنية أن “عملية الانتقام البشعة التي شهدتها باريس تفرض علينا وقفة جادة لدراسة كل معطياتها” .
و أضاف عميمور أن “حدوث الجريمة قبل أن يكتمل أسبوع على تصريحات الرئيس الفرنسي بعزمه احتواء الإسلام ، بما أحدثه من ردود فعل متفاوتة المضمون ، هو عنصر لا بد من دراسته جيدا و محاولة بحث العلاقة بين الأمرين” .
يتوازى كل هذا مع صعود اليمين المتطرف ، لتنسج خيوط علاقة بين التطرف و التطرف المضاد ، بين تطرف الإسلاميين ، و تطرف الحركات اليمينية ، في علاقة توحد ، يضفي فيها كل منهما مصداقية على خطاب الآخر ، و يوفر تكوين جيش من المتعاطفين في أوساط المجتمعات المحلية الضعيفة .
فهل توفر أوروبا الأرضية الخصبة لتنامي هاته الصراعات الثقافية ؟ و من أشعل التطرف و التطرف المضاد في فرنسا ؟
التدخل الغربي بطبيعة الحال هو السبب ؟ فعمليات الحشد الجهادي في أفغانستان في الثمانينيات، و البوسنة في التسعينيات، و العراق في العقد الأول من القرن الحالي ، و سوريا في العقد الثاني من القرن الحالي .
تهميش المهاجرين و الأقليات السكانية هو دافع آخر للتطرف إن لم يكن مصدره ، و الأوضاع الاقتصادية تؤجج الانخراط في المجموعات المتطرفة .
يصعب مكافحة التطرف العنيف و منعه مهما علت الإجراءات ، إن لم تجد حلا لدوافعه الاقتصادية ، و محاربة التهميش في تلك الدول الأصلية و تجاوز الفكر الاستعماري في التعامل مع تلك الدول ، و بعبارةٍ أخرى ، يجب معالجة الظروف التي تؤدي إلى تنامي التطرف العنيف ، و تجاوز المقاربة الأمنية في المعالجة .
محمد أبو رمان اعتبر أن مفهوم الإرهاب قديم في تداوله ، و مرتبط بأشكال و أنواع مختلفة من الأنشطة و الجماعات ، مثل خطف الطائرات و الرهائن و الهجوم المسلح … من قبل شبكتي القاعدة ، ثم ما يسمى ب “تنظيم الدولة الإسلامية” ، اللتين ساهم الغرب في صنعهما .
فالشمال أصبح يرى أن خصمه الأول هو الإسلام ، و أن المعركة ليست معركة دفاع عن المسيحية و اليهودية و إنما عن الماضي الاستعماري بكل نتائجه الاقتصادية و السياسية و الثقافية .. ، فهل هناك “أزمة” في فرنسا مع الدين الإسلامي ؟
لقد أفرز الوضع صعود إسلاموفوبيا غربية ، خاصة في فرنسا ، بعد نحر المعلم ، عقب عرض المعلم أمام طلابه صورا كارتونية عارية للنبي (ص) ، و ما أعقب ذلك من قرار السلطات الفرنسية بإغلاق المساجد و الجمعيات و الأندية الإسلامية .
مراقبون يرون أن المضايقات و الاستفزازات التي يتعرض لها الأجانب و خاصة المسلمين منهم في فرنسا تهدد السلم الأهلي ، فيما اعتبر آخرون الإشكال في عدم القدرة على التعايش مع الدولة العلمانية .
يقول عبد الباري عطوان ، رئيس تحرير “رأي اليوم” اللندنية “نعيش في أوروبا منذ 42 عاما ، و حصلنا على درجتنا العلمية العليا في أحد جامعاتها المشهورة ، و ما نراه حاليا من مضايقات و استفزازات للأجانب ، و المسلمين منهم بشكل خاص ، غير مسبوق ، و يهدد السلم الاجتماعي في هذه البلدان ، و انفجار حروب أهلية” .
و قد تشهد الأيام القادمة مزيدا من التصعيد ، قد يؤدي إلى إشعال فتيل حرب طاحنة ما لم تعدل فرنسا من سياساتها العدائية ضد الإسلام و المسلمين و تتجاوز العقلية الاستعمارية التي ما زالت تغلف منطق تعاملها في القضايا الدولية ، و تجرم الإساءة إلى الرموز ، كما تجرم التشكيك في المحرقة .
















إرسال تعليق