لافاش” خلف القضبان… حين يجرؤ المسرح على مساءلة السلطة والوجع الإنساني بآزرو

  • بتاريخ : مايو 1, 2026 - 10:24 ص
  • الزيارات : 65
  • بشرى مبكير

    آزرو – لم يكن عرض مسرحية “لافاش” لفرقة “مسرح الحال” داخل السجن المحلي بآزرو، مساء الثلاثاء 28 أبريل 2026، مجرد تحويل اضطراري لمكان العرض، بل لحظة مسرحية فارقة أعادت طرح أسئلة عميقة حول العدالة، السلطة، والإنسان في أقصى حالات هشاشته.
    داخل فضاء مغلق، حيث الزمن ثقيل والوجوه مثقلة بحكايات غير مكتملة، اكتسب العرض دلالة مضاعفة. فالمسرح، حين يدخل إلى السجن، لا يقدم فرجة، بل يفتح مواجهة مباشرة مع واقع لا يحتاج إلى كثير من التخييل لأنه ببساطة، أكثر قسوة من أي كتابة.
    “ما قُدِّم سيظل راسخاً في وجداننا جميعاً… الكل يتحدث عن صدى التجربة منذ ليلة البارحة.”
    بهذه الكلمات، عبر مدير السجن المحلي بآزرو عن الأثر العميق الذي خلفه العرض، في شهادة تختزل قوة لحظة مسرحية تجاوزت حدود الركح، لتتحول إلى تجربة إنسانية حيّة داخل فضاء يعرف جيداً معنى القيد والانتظار.
    على مستوى البناء الدرامي، يقدم النص، الذي صاغه عبدو جلال، شبكة شخصيات تعكس اختلالا بنيويا في العلاقات الاجتماعية، حيث تتقاطع السلطة بالقهر، وتختبر العدالة في أكثر تجلياتها هشاشة.
    في مقدمة هذه الشخصيات، يبرز المحقق فؤاد، كما أداه عبد الكبير الركاكنة، كصورة لإنسان ممزق بين موقعه كسلطة، ورغبته في إنصاف ما يمكن إنصافه.
    ليست أزمة فؤاد مهنية فقط، بل وجودية أيضا؛ فهو عالق بين جبروت المؤسسة التي يمثلها، وعجزه عن تحقيق عدالة حقيقية، في ظل واقع يفرض منطقه الخاص. ويزداد هذا التمزق حدة مع أزمته الشخصية، حيث يتحول فشل مشروع زواجه المرتبط بـ”الكريدي” إلى مؤشر دال على ضغط اجتماعي واقتصادي يطال حتى من يفترض أنهم في موقع القوة.
    في المقابل، تتقدم شخصية بناقص الخماس، كما جسدها بوشعيب العمراني، كأحد أكثر الوجوه إنسانية في العمل.
    رجل بسيط، سلبت منه فرص التعلم، وعاندته الظروف، لكنه ظل مشبعا بروح النضال، وفيا لقيم الشهامة إلى حد التضحية. بناقص لا يمثل فردا فقط، بل يجسد فئة كاملة من المهمشين الذين يدفعون دائما إلى الهامش، دون أن يسمح لهم حتى بسرد حكايتهم.
    وإلى جانبه، تحضر رحمة، التي أدتها هند ظافر، كصوت للمعاناة الصامتة. شخصية تختزل هشاشة الإنسان حين يترك وحيدا في مواجهة القسوة المركبة: قسوة الفقر، وقسوة الاستغلال. رحمة ليست مجرد ضحية فرد، بل ضحية منظومة تفرغ الإنسان من كرامته، وتحول وجوده إلى عبء قابل للاستغلال.
    وفي ذروة هذا البناء، يتجسد الحاج الباعوضي، كما أداه عبدو جلال، كصورة مكثفة للطغيان الهادئ.
    ليس طاغية صاخبا، بل سلطة ناعمة تشتغل بالمال والوجاهة، تشتري النفوذ، وتفرض الصمت. شخصية لا تكتفي بالهيمنة، بل تعيد تشكيل الواقع وفق منطقها، حيث تختزل القيم في المصالح، ويختزل الإنسان في وظيفته داخل منظومة السيطرة.
    ضمن هذا السياق، يوظف العمل عنصر “البقرة” بشكل رمزي بالغ القسوة، حيث تتحول من مجرد مصدر للثروة إلى أداة للإخضاع والتسلط، بل وإلى وسيلة لإدانة الضعفاء.
    اتهامها بأنها “حامل” من بناقص لا يبدو حدثا عبثيا بقدر ما يعكس منطقا اجتماعيا مختلا، يصبح فيه العبث نفسه أداة للهيمنة، وتتحول التهمة إلى وسيلة جاهزة لإخضاع من لا يملكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم.
    “في زمن العتمات، لا بد لنبراس الأمل أن ينير طريق القيم النبيلة.”
    على المستوى الإخراجي، اختار عبد الكبير الركاكنة الاشتغال على إنارة مدروسة، حيث يتحول الركح إلى فضاء مكثف الدلالة، وتتحول الإضاءة إلى عنصر درامي يوازي الكلمة.
    لا يقدم العرض إجابات جاهزة، بل يضع المتلقي أمام أسئلة مفتوحة، ويبقي الجرح مكشوفا.
    عرض “لافاش” داخل المؤسسة السجنية لم يكن مجرد اختيار ظرفي، بل بدا امتدادا طبيعيا لروح العمل. فهنا، حيث القيد واقع يومي، تكتسب الأسئلة المطروحة على الخشبة صدى مضاعفا، ويتحول التلقي إلى تجربة وجودية، يتلاشى فيها الحد الفاصل بين المسرح والحياة.
    ويأتي هذا العمل ضمن جولة فنية شملت مدن مكناس، آزرو، الحاجب وفاس، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبشراكة مع مسرح محمد الخامس، وبتعاون مع المديرية الجهوية لقطاع الثقافة بجهة فاس-مكناس.
    غير أن محطة آزرو، داخل السجن المحلي، ستظل الأكثر كثافة، ليس فقط لخصوصية المكان،بل لأنها كشفت، بجرأة نادرة،أن المسرح الحقيقي لا يهادن الواقع، بل يضعه في قفص الاتهام.