رمضان في مكناس.. روحانية الشهر بين عبق التاريخ ودفء العادات

  • بتاريخ : فبراير 27, 2026 - 3:17 م
  • الزيارات : 243
  •  جمال بلـــة

    تستعيد مدينة مكناس مع حلول شهر رمضان، إيقاعا روحانيا خاصا ينسجم مع طابعها التاريخي العريق، فالمدينة الإسماعيلية، بما تحمله من إرث حضاري ومعالم شامخة، تعيش خلال الشهر الفضيل أجواءً يغلب عليها الهدوء نهاراً والحيوية المنظمة ليلا، في مشهد يعكس توازن أهلها بين العبادة والعادات الاجتماعية المتجذرة.

    في ساعات الصباح الأولى، تبدو شوارع مكناس أكثر هدوءا من المعتاد، خاصة داخل المدينة العتيقة وأحياء حمرية والزيتون، غير أن الحركة تنشط تدريجيا مع اقتراب موعد الإفطار، حيث تتوافد الأسر على الأسواق الشعبية لاقتناء مستلزمات المائدة الرمضانية. وتعرف محلات بيع التمور والحلويات التقليدية، مثل الشباكية والسفوف، إقبالا كبيرا، فيما تتصاعد روائح الحريرة من البيوت، باعتبارها الطبق الأساسي الذي لا يغيب عن موائد المكناسيين.

    وقبيل أذان المغرب، يسود سكون نسبي الأحياء السكنية، في انتظار لحظة الإفطار التي تجمع الأسر حول موائد عامرة بأطباق تقليدية متنوعة، من بينها البغرير والمسمن وأطباق اللحم المطهية بطرق تقليدية تعكس خصوصية المطبخ المحلي، وتظل لحظة الإفطار مناسبة لتجديد الروابط الأسرية، حيث تحرص العائلات على الاجتماع وتقاسم الأطباق في أجواء يسودها الدفء والسكينة.

    ومع حلول الليل، تمتلئ مساجد المدينة بالمصلين لأداء صلاة التراويح، وعلى رأسها مسجد الزيتونة ومسجد لالة عودة، حيث تسود أجواء الخشوع والإنصات لتلاوة القرآن، كما تشهد بعض الفضاءات تنظيم دروس دينية وأنشطة توعوية تعزز البعد الروحي للشهر الفضيل، خاصة في الأحياء الشعبية التي تعرف تفاعلا كبيرا مع هذه المبادرات.

    بعد صلاة التراويح، تستعيد شوارع مكناس حركيتها، حيث تخرج العائلات للتنزه في ساحة الهديم ومحيط باب منصور، في أجواء ليلية معتدلة. وتعرف المقاهي إقبالا ملحوظا، بينما تتحول بعض الفضاءات إلى نقاط لقاء للشباب والأصدقاء لتبادل أطراف الحديث في جو هادئ يعكس خصوصية ليالي رمضان.

    كما يشهد الشهر الكريم تناميا لروح التضامن داخل المدينة، من خلال مبادرات إفطار الصائم التي تنظمها جمعيات محلية، إضافة إلى توزيع قفف غذائية لفائدة الأسر المعوزة، في تجسيد عملي لقيم التكافل الاجتماعي التي تتعزز خلال هذه الفترة.

    رمضان في مكناس هو مزيج من الأصالة والروحانية، حيث تتجدد العادات وتتقوى الروابط الاجتماعية، وتعيش المدينة على وقع طقوس متوارثة تمنح الشهر الفضيل نكهة خاصة، تجعل من التجربة الرمضانية بالإسماعيلية لحظة استثنائية تتكرر كل عام بروح متجددة.