التقرير الختامي للندوة الدولية المنعقدة بمقر جماعة تاهلة، تخليداً للذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء

  • بتاريخ : نوفمبر 11, 2025 - 10:14 ص
  • الزيارات : 634
  • التقرير الختامي للندوة الدولية

    في موضوع:
    ذكرى عيد المسيرة الخضراء: محطة لاستحضار قيم الوطنية وهندسة التنمية
    المنعقدة يوم السبت 8 نونبر 2025 بمقر جماعة تاهلة

     

    السيدات والسادة الحضور،

    من عمداء ورؤساء ومدراء وباحثون ومسؤولون ترابيون ممثلو السلطات الأمنية والقضائية والمؤسسات الإدارية والمنتخبة والمدنية وقدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير، ووسائل الإعلام، كل باسمه وصفته وما يليق به من التقدير والاحترام.

    أيها الحضور الكريم، باسم الجهات المنظمة والداعمة، نتشرف بتقديم هذا التقرير الختامي الخاص بأشغال هذه الندوة الدولية التي انعقدت بإذن الله وتوفيقه، اليوم السبت 8 نونبر 2025 بمقر جماعة تاهلة، تخليداً للذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، باعتبارها محطة رمزية متجددة لترسيخ قيم الوطنية الصادقة، والتعبئة السلمية، والتنمية المستدامة، في سياق وطني ودولي متقاطع مع مستجدات القرار 2797  الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي أضحاه جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيّده عيداً للوِحدة الوطنية، تتجدّد فيه معاني الوفاء لمسار المسيرة الخضراء المظفّرة، باعتبارها تجسيداً أبدياً لقيم الإيمان، والتلاحم، والالتحام بين العرش والشعب.

    هذا التلاحم الذي صبغ الجلسة الافتتاحية، حيث أكد المتدخلون فيها أن تخليد الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء لا يقتصر فقط على استحضار حدث وطني مجيد، بل يشكل مناسبة علمية لتجديد قراءة هذه الملحمة في ضوء التحولات الراهنة التي تعرفها المملكة والأقاليم الجنوبية على وجه الخصوص.

    إذ أبرزت المداخلات أن القيّم المؤطرة للمسيرة الخضراء تظل مُوَجّهات أساسية لمسار التنمية الوطنية، كما تعكسها المشاريع الكبرى المرتبطة بالربط المينائي، والطاقات المتجددة، وتعزيز الاندماج الإفريقي للمغرب.

    كما استحضر المتدخلون كل من موقعه، بكثير من الفخر والاعتزاز، مآثر جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، بصفته مؤسس عهد الاستقلال وباني السيادة الوطنية، وما تلاه من استمرار للمسيرة تحت قيادة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني رحمه الله، قائد المسيرة الخضراء وباني نهضة المغرب الحديث، الذي رسّخ في الوجدان الجماعي مبدأ الوحدة الترابية كركيزة للهوية الوطنية.

    واليوم، تتجدد هذه القيّم تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيّده، الذي جعل من روح المسيرة مشروعاً متجدداً للتنمية المندمجة، ومقاربة استراتيجية قائمة على الواقعية والانفتاح والتعاون الإقليمي، بما ينسجم مع روح القرار الأممي 2797 الذي أعاد التأكيد على وجاهة مقترح الحكم الذاتي كحل عملي، جاد، وواقعي.

    وكمغاربة يمكن القول إنها مسيرة ملكية متصلة الحلقات بين ملوك الدولة العلوية الشريفة، تواصل عبر الأجيال بناء مغربٍ معتزٍّ بثوابته، مؤمنٍ بوحدته، ومنفتحٍ بثقة على عمقه الإفريقي والعالمي.

    أما على مستوى الجلسة العلمية الأولى

    فقد تمحورت الجلسة حول موضوعي المواطنة المسؤولةو”تجديد القيّم في ظل التحولات الراهنة”، إذ ركزت جل مداخلات السيدات والسادة الباحثون والمهتمون، على الدور المحوري للجامعة المغربية ومراكز البحث والتفكير في إعادة إنتاج قيم المسيرة الخضراء في سياقات التنمية المحلية والوطنية، من خلال دعم المبادرات التربوية والثقافية التي تُترجم الذاكرة الوطنية إلى ممارسات مدنية ملموسة.

    كما تمت الإشارة إلى أثر المشاريع الهيكلية الكبرى في الأقاليم الجنوبية – من بنية تحتية وموانئ وطاقات متجددة – في تحويل هذه الأقاليم إلى قطب جهوي صاعد، تجسيداً لمبدأ “التنمية الدامجة” الذي يؤكد عليه القرار 2797 في انسجام مع مقاربة مجلس الأمن الداعية إلى حل سياسي واقعي ودائم، قائم على مبادئ الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومرتبط بمسارات التنمية المستدامة والعدالة المجالية.

    أما على مستوى الجلسة العلمية الثانية

    فقد ناقشت مداخلات السيدات والسادة الأساتذة الباحثون قضايا الدبلوماسية الاقتصادية، والهندسة المؤسساتية متعددة المستويات، وآليات تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق الترابية، مع تقديم إشارات حول التجارب الناجحة في برامج التنمية بالأقاليم الجنوبية.

    وقد أكدت مداخلات السيدات والسادة الأساتذة الباحثون أن تلاقي البعد التنموي مع مقتضيات الشرعية الدولية أصبح سمة مميزة للنموذج المغربي، حيث أبان القرار 2797 (2025)  عن إدراك متزايد لدى المجتمع الدولي لأهمية المقاربة المغربية القائمة على الترابط بين التنمية الميدانية والشرعية السياسية، وذلك من خلال تجديد ولاية بعثة المينورسو لسنة إضافية، وتأكيد المرجعية الواقعية للحكم الذاتي لسنة 2007 كإطار توافقي للحل السياسي الدائم.

    وبذلك، أبرزت النقاشات أن المسار الأممي، كما تعكسه مضامين القرار 2797، يتقاطع مع المنطق التنموي الذي يعتمده المغرب في أقاليمه الجنوبية، حيث يُعتبر النموذج التنموي الجديد لهذه الأقاليم ترجمة عملية لمفهوم “الحكم الذاتي في الممارسة”، على المستويين الاقتصادي والمؤسساتي، مع جرد للأعمال الأدبية والفنية التي لم يتوان فيها المثقفون والمبدعون على إنتاجها احتفاء بالمسيرة الخضراء وبالقرار الأممي الأخير.

    وكخلاصات عامة

    قد خلصت أشغال الندوة الدولية إلى أن المسيرة الخضراء، في ذكراها الخمسين، لم تعد فقط حدثاً تاريخياً بل منظومة قيم متجددة تؤطر مواطنة مسؤولة وتنمية دامجة، وأن القرار الأممي 2797  يعزز هذا التوجه من خلال الاعتراف بالدينامية التنموية كعنصر داعم للحل السياسي الواقعي.

    كما أكدت المداخلات على أن التحول التنموي بالأقاليم الجنوبية يشكل رافعة أساسية لترسيخ الاستقرار الإقليمي، ويعزز وجاهة المقاربة المغربية المبنية على الحكم الذاتي كخيار استراتيجي ومشروع حضاري يربط بين التنمية والسيادة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيّده، الذي جعل من النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية تجسيداً عملياً لروح المسيرة الخضراء ولإرادة المغرب في ترسيخ وحدته الوطنية وبناء مستقبل تنموي متكامل ومستدام.

    أما عن توصيات الندوة، فقد توصلت اللجنة المنظمة بعدة توصيات متكاملة تُحوّل “ذاكرة المسيرة” إلى سياسات مواطَنة وتنمية ورصد وترافع، منسجمة مع مسار الحل السياسي الواقعي الذي تشجّعه قرارات مجلس الأمن، وبما يدعم الاستقرار والاندماج الجهوي والوطني.​

    أولا: الحوكمة والسياسات الترابية

    • ترسيخ ثقافة الحوار والتشاور الديمقراطي مع الساكنة والمجتمع المدني في الأقاليم الجنوبية كمدخل حضاري لتنزيل روح الحكم الذاتي على أساس المشاركة الفعلية وصون الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.​
    • اعتماد مقاربة توافقية ديمقراطية منفتحة على ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن والتجارب المقارنة، مع صياغة نموذج مغربي مُبدع يستمد روحه من الهوية الوطنية وثقافة الانفتاح والحوار.​
    • تمكين الجهات الجنوبية من صلاحيات موسّعة اقتصادية واجتماعية وثقافية، وتعميم أدوات التعاقد الجهوي والشفافية والمؤشرات، بما يضمن استدامة التنمية ويحافظ على النسيج التراثي والإنساني.​
    • مواءمة البرامج الترابية مع المرجعية الأممية، وإبراز الأثر الحقوقي والثقافي لمبادرة الحكم الذاتي كخيار حضاري واقعي، مع تعزيز قنوات التواصل مع الهيئات الدولية والدول الصديقة الداعمة لمسار التسوية.​

    ثانيا: الرصد والتقييم وصنع القرار

    • إحداث “مرصد وطني للمسيرة الخضراء والتنمية الجهوية” لتتبع أثر المشاريع على المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وإصدار تقارير دورية مفتوحة البيانات تُغذي القرار العمومي الجهوي والوطني.​
    • تحويل ذكرى المسيرة الخضراء إلى “منصة سنوية لتبادل الخبرات” بين الجهات، تُنسّق تكامل الجامعة والجماعات والمجتمع المدني والقطاع الخاص في مبادرات قابلة للقياس الزمني.​

    ثالثا: الاقتصاد والتنمية المندمجة

    • تثمين المشاريع المندمجة في البنية التحتية والطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق بالموانئ الجنوبية باعتبارها رافعات للاندماج الأطلسي-الإفريقي وتحويل المكتسبات الدبلوماسية إلى منافع مجتمعية ملموسة.​
    • الانتقال من منطق التخطيط الإداري إلى منطق الريادة والابتكار الثقافي والاقتصادي عبر حاضنات ومشاريع إبداعية تستلهم النموذج التنموي الجديد وتولّد سلاسل قيمة جهوية.​

    الرابعة: الثقافة والدبلوماسية العمومية

    • تعزيز الحكامة الثقافية المحلية بإشراك الفاعلين والمؤسسات الثقافية وإدماج الفنون والذاكرة الجماعية في دينامية التنمية الجهوية المنسجمة مع مبادئ الحكم الذاتي.​
    • تفعيل الدبلوماسية المدنية والإعلامية بإشراك فاعلين مغاربيين وأفارقة في المنتديات الدولية للترافع عن النموذج المغربي في التنمية والوحدة، وإنتاج مواد تواصلية متعددة اللغات.​
    • اعتبار المسيرة الخضراء مدرسة دائمة في الدبلوماسية الشعبية تُظهر أثر التعبئة السلمية والإيمان الوطني في صناعة التحولات السياسية والقانونية الكبرى وتوطيد السلم الإقليمي.​
    • إعادة تعريف دور المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية كمنصة للحوار الثقافي وحقوق الإنسان تُتابع المكتسبات الحقوقية وتعزّز التواصل الإنساني مع المحتجزين في مخيمات تندوف.​

    الخامسة والأخيرة: التربية والذاكرة والبحث العلمي والابتكار

    • إدراج وحدات ودروس وأبحاث منهجية حول المسيرة الخضراء في المناهج المدرسية وربطها بقيم المواطنة المسؤولة والعمل الجماعي، مع مؤشرات لقياس السلوك المدني والمشاركة الترابية ومشاريع خدمة مجتمعية سنوية.​
    • إطلاق كرسي علمي دائم بعنوان المسيرة الخضراء وقيم المواطنة والتنمية لاحتضان الحوار الأكاديمي ونشر الدراسات المرجعية وتأطير أطروحات متعددة التخصصات في التاريخ والقانون والاقتصاد والدبلوماسية والتنمية الترابية.​
    • إنشاء أرشيف رقمي وطني يوثق مراحل استكمال الوحدة الترابية بالوثائق والصور والشهادات، ضماناً لصون الذاكرة الوطنية وإتاحة الولوج العلمي المفتوح للباحثين وصنّاع القرار، وتشجيع السياحة التاريخية للمنطقة.

    والخلاصة أن رهان المرحلة هو تثبيت جسرٍ دائم بين الجامعة والمجتمع، حتى تصبح روح الحكم الذاتي ممارسة يومية تُراكم التنمية وتُحصّن المكتسبات في الأقاليم الجنوبية وسائر ربوع الوطن.