بقلم مليكة بوخاري القنيطرة
بتنامى ظاهرة الهجرة في العقود الأخيرة، من القرى إلى المدن في المغرب، تحت تنوع الضغوطات وتعددها، كهشاشة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية، التي يعيش فيها الإنسان القروي ،نتيجة عوامل الجفاف، وعزل العالم القروي وتهميشه من جهة، وانعدام فرص الشغل، وضعف الدخل من جهة أخرى، إضافة إلى عملية الجذب، التي تمارسها المدينة على القرية، ليس على مستوى المجال السيكولوجي فحسب، بل أيضا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.ناهيك عن التصور الذي ارتبط بالقروي حول المدينة، والذي أنبنى على معطيات، غالبا ما تكون مغلوطة وغير صحيحة، كالرغبة في التحول الاجتماعي، عن طريق تحقيق النجاح في الوضعية الاقتصادية، والاجتماعية بأقل سرعة ممكنة.
وفي ظل هذا الإهمال، ونهج سياسة التهميش في القرية ،والذي دأبت عليه الحكومات المتعاقبة عبر ممارساتها السياسية ،فان ظاهرة النزوح إلى المدن قد استفحلت بشكل مثير في السنوات الأخيرة، إلى حد أصبحنا نتحدث عن ظاهرة ترييف المدينة، بدل تحضرها، لكون هاته الأخيرة، أصبحت عاجزة عن استقطاب هاته الجموع الغفيرة بل تركت الباب مفتوحا على مصراعيه، أمام تكدسها في تجمعات سكانية، غالبا ما تكون أشبه بفطريات تتوزع وبشكل عشوائي، في أحزمة المدينة، تفتقد لشروط السكن الصحي ذي المواصفات التحضرية مما جعل هاته الوضعية، تفرز ظواهر اجتماعية شاذة كالفقر والأمية، والبطالة، والشعوذة، والدعارة، والمتاجرة في المخدرات والخمور، والاحترافية في اللصوصية والسرقة، والتشدد الديني والتطرف، اللذان يفضيان إلى اتساع ظاهرة الإرهاب، التي أصبحت تهدد الأمن والسلام العالميين.
إن المهاجر من القرية إلى المدينة،يجب أن يعلم بأن المدينة وحسب تعريف عدد كبير من علماء الاجتماع الحضري، ومنهم على سبيل المثال louis Works وrober Park ليست تلك التجمعات السكانية ذات الكثافة العالية، والتي تحرص على أن يتوفر لديها ما يجعل الحياة ممكنة، مثل وجود الشوارع والمباني، والخدمات الضرورية، وليست أيضا
مجموعة من التنظيمات والإدارات ،مثل المحاكم ،والمستشفيات، والمدارس، والمعاهد، وغيرها من الخدمات والمؤسسات، وفي نفس ألآن، ليست وحدات ايكولوجية ،أو جغرافية ،أو اقتصادية إنها كل هذه و أكثر.
فوق هذا، انها سلوك وثقافة أيضا ، سلوك التشبع بثقافة التحضر، والتي هي نمط وأسلوب في العيش هي ممارسات منظمة، ومدبرة بطريقة عقلانية هي تحرر من ضغط الأعراف التقليدية والتشبع بثقافة جديدة وواقع جديد و متحرر، يعتمد على العبقرية الذاتية، ويتملص من كل ماهو غريزي، والذي كان يمثل له والى عهد قريب الشكل المقدس والمطلق.
فالمهاجر من القرية إلى المدينة، مطالب إذن بالتشبع بثقافة هذه الاخيرة المتمثلة في العقل الفرداني، والحسابي، والنقدي، والضبط والتدقيق.
إن المدينة إذن وحسب السوسيولوجيون إذا لم تعد ترتكز على ما يثبت التطور في اتجاه أنماط العيش المتعارف عليه حضريا فانه نكون قد مارسنا تعسفا في التميز ، بين المجموعات الحضرية والقروية. وان البنايات الضخمة، والشوارع الواسعة والعمارات الشاهقة وتوظيف الإمكانات التكنولوجية المتوفرة، ليس من الضروري أن ينتج لنا تحضرا.
إن عقدة أديب التي يعاني منها الفرد النا زح، نتيجة عيشه تحت تأثير ما يمكن أن يسميه السوسيولوجيون بذنب الفطام سرعان ما يترجم هذا الحنين إلى ممارسات يومية، وهي شبيهة بتلك التي تركها في البادية فنجده يلجأ إلى غرس أشجار الزيتون والفاكهة على الطوار، وعلى طول امتداد المنازل كما ينزح إلى استيلائه على الملك العمومي ، ليستغله في أغراضه الشخصية .
لذلك وفي غالب كثير من الحالات، نجده هو وأسرته يمارسان ثقافة القرية بكل لذة ونشوة كبيرتين. كجني حبوب الزيتون بالطقوس التي تركها في القرية.كما نجد آخرون يتفننون في تربية الأغنام والماعز والدواجن ،في أسطح منازلهم مما ينتج عن ذلك، مشاكل بيئية وخيمة العواقب فيتحول الواقع الحضريإلى واقع ريفي، في صلب المدينة وجوهرها.
أما صنف آخر ،فيرى في اختيار النسل وضبطه ،ليس من الأمور اليسيرة. إذ لا زال يعتقد أن إنجاب الذكور ،أفضل من إنجاب الإناث على اعتبار أن الأول قوة إنتاجية مضمونة وثانيا، فان الإنجاب يعد من بين الضمانات الأساسية ،للمحافظة على مركز الزوجة داخل بيت الزوجية..
إضافة إلى اعتبار الرجل هو صاحب القرار، وهو الصوت الوحيد الذي يحق له أن يجهر بالخير والشر. بالصحيح والخطأ غير أن النساء ما زال دورهن مختزلا في تربية الأطفال ، وتهيئ المطبخ في جل العائلات القروية التي تنزح من القرية إلى المدينة وهكذا مرة أخرى، نلاحظ كيف يصبح القروي ضحية الجذب الذي تمارسه عليه المدينة فلا هو بالمتحضر، ولا هو بالقروي لأنه وفي غالب الحالات، وخصوصا على مستوى الإمكانيات العقلية ،نجده ملفوظا وممنوعا منها.
فإذا لم تبادر الجهات المسؤولة، وفعاليات المجتمع المدني من تخطيط إجراءات ووضع استراتيجيات معقولة وفعالة، بغية وضع حد لهذه الهجرة .كفتح أبواب الاستثمار وخلق مقاولات صغرى ومتوسطة من اجل تنمية مستدامة عن طريق تأهيل العنصر البشري للنهوض بالعالم القروي فان الوضع سوف لن يزداد إلا استفحالا، في السنوات والعقود المقبلة.
















إرسال تعليق