مليكة بوخاري
نقف اليوم لإلقاء نظرة حول حدث عالمي تبنته الأمم المتحدة ، و خصصت له يوما كونيا للاحتفال به ، و هو اليوم العالمي للمرأة ، الذي يصادف 8 مارس من كل سنة .
حدث هام مر من خلال مجموعة من المحطات التاريخية التي أشعرت العالم بعمق المأساة التي كانت تعيش تحت وطأتها المرأة سواء في سوق الشغل أو في البيت أو في الشارع ، و هو الحدث الذي انزل آلاف نساء الولايات المتحدة الأمريكية للاحتجاج على أوضاعهن المزرية و غياب العدالة الأجرية في العمل و عدم توفر كل الضمانات القانونية التي تحمي المرأة أثناء مزاولتها لمهامها ، و الذي ارتبط بإضراب عاملات صناعة الملابس في نيويورك و احتجاجهن ضد ظروف العمل القاسية التي يعيشون في كنفها ، فيما أصبح يعرف لاحقا بتاريخ “الخبز و الورد” .
و التي فرضت على المسؤولين و السياسيين في آن واحد طرح مشكلة المرأة العاملة على جدول الأعمال هاته الدوائر اليومي ، لتصعد إلى سلم أولويات المجتمع كقضية أساسية ، ليس في مجال نضال المرأة فحسب ، و لكن في مجال نضال المجتمع ككل من أجل العدالة و الحرية و الإنسانية .
أهداف لم تستطع الحركة النسائية الأمريكية فرضها ، لتخرج النساء مجددا ، و للمرة الثانية ، إلى الشارع ، للاحتجاج على قساوة أوضاعهن و هن يحملن “الخبز اليابس و باقات الورد” ، كتعبير رمزي عن حركتهن الاحتجاجية هاته ، مطالبين بتخفيض ساعات العمل و منع تشغيل الأطفال و منح النساء بعض الحقوق المدنية و السياسية و ضمنها الحق في الاقتراع .
لتشكل حركة “الخبز و الورد” ، البداية الأولى لميلاد حركة نسائية منظمة داخل الولايات المتحدة ، المطالبة بكافة الحقوق المدنية و السياسية ، و بإقرار المساواة في الأجر و العمل ، و الحق في الحب و التعاطف ، و لتنتشر لاحقا مبادئ هاته الحركة و تعم العالم ، خاصة أوروبا ، حيث فرضت نفسها كإحدى قواعد الاستقرار المجتمعي من خلال الاعتراف بنصف المجتمع على مستوى الوجود المادي و الإنساني ، و الذي أقره المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات ، في اجتماعه المنعقد ب”كوبنهاغن” باقتراح من الألمانية “كلارا زتكين” ، لكن من دون تحديد تاريخ .
لتتوالى صرخات النساء المدوية ، المطالبة بحقوقهن الكاملة ، حيث خرج إلى شوارع النمسا و الدانمارك و ألمانيا و سويسرا أكثر من مليون شخص ، و ارتبط كل ذلك بالتحركات العمالية و الاشتراكية ، و التي توجت سنة 1914 بتجمع نساء اشتراكيات في الثامن من مارس للمطالبة خصوصا بالحق في الاقتراع ، ليسجل هذا اليوم كأول احتفال فعلي بيوم 8 مارس ، توطدت لاحقا مع صعود الثورة البلشفية ، حيث تم الاحتفاء بهذا اليوم ، من سنة 1917 ، كيوم عالمي للمرأة ، عقب خروج النساء في شوارع “سان بطرسبرغ” للمطالبة بالخبز و عودة الرجال من جبهات القتال ، ليشكل هذا اليوم أحد فصول الثورة التي أطاحت بالقيصر ، و ليعلن “لينين” هذا التاريخ يوما رسميا للاحتفاء بالنساء ، و اعتباره “اليوم الأول للثورة الرسمية” .
ليتوج هذا المسار الطويل و الشاق الذي خاضته نساء الكون باعتماد الأمم المتحدة و مجموعة من المنظمات الدولية يوم 8 مارس كيوم عالمي للمرأة للمرة الأولى سنة 1977 ، و ليتحول هذا اليوم و هذا التاريخ إلى رمز و علامة مشعة في تاريخ نضال المرأة من أجل حقها في الحياة و المساواة في الحقوق و الواجبات ، و مجابهة كل أشكال التمييز ضد المرأة على الصعيد الكوني .
يوم عززت الأمم المتحدة حضوره ضمن فعاليات الاحتفاء بالذكرى المئوية الأولى لانطلاق يوم عيد المرأة العالمي ، سنة 2010 باختيار شعار “مساواة في الحقوق ، تكافؤ الفرص : تقدم للجميع” ، كعنوان مركزي لتخليد الذكرى .
إن النضال الكوني الذي خاضته النساء ، و اللواتي استطعن من خلاله كسر طبقة الجليد الأولى في سماء معاناة المرأة كونيا ، إلا أن المرأة العربية و المغربية ، لا زالت خطوات تحررها تسير سير السلحفاة لاعتبارات عدة ، من بينها ، تخلف البنى القائمة و هيمنة منطق “الأبوسية” على العلاقات القائمة داخلها ، و خضوع المرأة نفسها لمنطق الدونية ، و الإيمان به قدرا محتوما لا سبيل للتحرر من سلطاته .
إذن فالمرأة المغربية تعيش أزمة فعلية قائمة في الواقع تتجاوز الإطار النصي و الدستوري ، على اعتبار أن المغرب قطع خطوات هامة في سبيل تحقيق مساواة بين الرجل و المرأة ، لم تتعد في بعدها العام الإطار القانوني ، سواء من خلال مدونة الأسرة لسنة 2004 ، أو دستور 2011 الذي رام تحقيق المناصفة في حضور المرأة في مجالات التدبير و المسؤوليات الجماعية و البرلمانية ، و على صعيد إدارات و مؤسسات الدولة ، إلا أن الإشكال يبقى قائما ، سواء تعلق الأمر بداخل المنزل أو خارجه ، من جهة كون المرأة تتعرض لاستغلالين ، جنسي و اقتصادي ، مما يجعل معركتها مستمرة و بلا هوادة من أجل تحقيق مساواة فعلية اجتماعية و اقتصادية و سياسية و نوعية ، بما يحقق الحضور الفاعل داخل حقل الصراع ، و ليس الحضور المنفعل .
كما أن صعوبة المهمة تتأتى من المرأة ذاتها ، و ثقافتها التي تغذي التخلف و القصور و الأمية بمفهومها الحقيقي ، و ليس اللغوي ، بل أن المرأة تصبح في بعض الحالات عدوة لمصالحها ، و تزكي بذلك دونيتها من خلال تبعية لصيقة للجسد و استغلاله من أجل تحقيق أهداف براغماتية تكون هي الضحية الأولى و الأخيرة لها في العملية كلها ، أو من خلال سيادة منطق التحجر و التخلف و الشعوذة لدى أوساط عريضة من النساء المغربيات ، الشيء الذي يقتضي مقاربة اجتماعية للتعامل مع القضية ، و ليس مجرد مقاربة قانونية ، علما أن المرأة أصبحت تستعمل كوسائط لضرب كل تحركات الرجال في معاركهم المشروعة الاقتصادية و الاجتماعية ، و التي تجعل الرأسمال يلجأ الى النساء لإدارة عجلة الإنتاج ، لهزم إرادة الرجال مستغلا اللا وعي ، أو الوعي الشقي الذي يسكن النساء ، و المغذى بالطبع من صعوبة الواقع و المعاناة من البطالة ، لكن الأخطر هو فقدان الكرامة ضمن سوق الشغل الذي يحول المرأة إلى استغلالين طبقي و جنسي في آن واحد ، فيجعلها وقودا للأزمات سواء في فترات السلم أو الحرب ، مما يقتضي وعيا حقيقيا بمكامن خلل الضمير الحي – الغائب ، أو المغيب بقوة الأمر الواقع المغذي للاستغلال و القهر الاجتماعي ، و المستفيد من تخلف بنيات المجتمع الشاملة من أجل إدامة الاستعباد تحت دعاوى متعددة ، لكن الجامع فيها هو الاستعباد الطبقي لكافة مكونات المجتمع ، مما يجعل قضايا التحرر المجتمعي ، معركة غير منفصلة بل مترابطة فيما بينها ، فلا يمكن الحديث عن تحرر نوعي بدون تحرر اقتصادي و مجتمعي في ربط جدلي طبعا و ليس ميكانيكي ، اعتبارا لكون المرأة تعاني القهرين معا الاقتصادي و الجنسي ، مما يجعل معركتها أعقد و أصعب .
و هو الموقف الذي حاول مقاربته المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي الذي قال إن تحرر المرأة المغربية يمر عبر كسر ما سماه بـ “السقف الزجاجي” ، و المقصود به مجموع الحواجز الاجتماعية و النفسية التي تديم وضعية الجمود و تكريس دونية المرأة و تبعيتها للرجل ، مؤكدا أن تحقيق التنمية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تجاوز منطق الإقصاء و كل أشكال التمييز بحسب الجنس .
















إرسال تعليق