بقلم : مليكة بوخاري
تعني الحكامة تدبيرا عقلانيا للشؤون المرتبطة بممارسة السلطة السياسية أو المجتمع و موارده ، و هي أيضا مفهوم استعجالي تبنته المنظمات الدولية للحد من التأخر في التنمية المسجل في العديد من الدول من خلال إعطاء الفرصة للمجتمع للتعبير عن رأيه و مواقفه في المشاريع التنموية التي تهدف إلى تحسين المستوى المعيشي للسكان ، و هي مرتبطة بآلية التدبير الرشيد و الحكيم للموارد بهدف تحقيق التوازن في شتى الميادين وصولا إلى التنمية البشرية المستدامة .
في المغرب كباقي الدول ، أصبح مفهوم الحكامة مفهوما دستوريا ، و التي هدف من ورائها المشرع إلى إحداث التغيير المنشود و الحد من الفساد و سوء التدبير الذي تعاني منه مؤسسات الدولة و المجتمع ، حيث نص الفصل الأول من الدستور على “… يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط ، توازنيا و تعاونيا ، و الديمقراطية المواطنة و التشاركية ، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة و ربط المسؤولية بالمحاسبة” .
و لا يمكن إطلاقا الحديث عن حكامة خارج سياق المحاسبة ، و التي تشير إلى قدرة السلطات العمومية على تقديم الحماية للمواطنين بشكل عام ، من خلال فعالية التدبير العمومي و الفعل المؤسساتي ، سواء ضمن الآليات الداخلية للمحاسبة المنبعثة من عمق السلطة العمومية ، أو من خلال آليات خارجية تنبثق عن الأشكال التنظيمية الأخرى ، كالمواطنين و المجتمع المدني ، و التي أضحت في الوقت الراهن تلعب الدور الريادي في تتبع السياسات العمومية و تقييمها .
فإلى أي مدى يمكن الحديث عن ممارسة فعلية لهذا المفهوم من خارج السياق النظري و الدستوري ؟
إن الوقائع المادية التي نعيشها في مغربنا المعاصر ، تبرز هوة كبيرة بين الإطار الدستوري و الخطب الملكية السامية التي ما فتئت تؤكد على ذلك . فما وقع بالدار البيضاء في الآونة الأخيرة بعد تساقط أمطار الخير كشفت المستور و عرت الفساد المستشري في مجال صرف المياه ، و هي وقائع فجرت موجة غضب عارم على المستوى الشعبي و الوطني ، كما فجرت مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب جراء الخسائر التي سجلت بسبب بنية تحتية مهترئة و متآكلة في أكبر مدن المغرب ، و بطبيعة الحال في جل المدن المغربية ، كما أن مشاهد الفيضانات التي جرفت أرزاق الناس في منطقة آيت ملول عند مصب واس سوس على مستوى جماعة إنزكان ، و التي كادت أن تودي بحياة خمسة من الرعاة لولا تدخل السلطات المختصة .
المبدأ يقتضي المحاسبة و ليس تقاذف الكرة بين الاتجاهات السياسية تهربا من المسؤولية و قذفها في الاتجاه الآخر ، الكل مسؤول ، و المحاسبة يجب أن تطال الجميع و هذا هو عمق المبدأ و جوهره الذي يجب أن يحترم .
فتكريس الدستور لمبدأ الحكامة و ربط المسؤولية بالمحاسبة كان بمثابة إعلان عن انبثاق مفهوم دولة الحق و القانون ، و تجسيدا لإرادة الدولة في استكمال مسلسل الإصلاح الذي حملته على عاتقها ، وهو ما رام إليه القانون التنظيمي للمالية ، الذي روعي فيه الاستجابة للمبادئ الدستورية الجديدة التي اعتبرت الحكامة و ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة أساسية لها ، بل عدت من الركائز الأساسية لنظام الدولة ، من خلال أربعة أركان ، تعد أساسية لتحقيق هذا المبدأ ، ضمنها النزاهة التي تعتبر منظومة للقواعد و القيم المؤطرة للمسؤولية للحفاظ على الموارد و الممتلكات العامة و استخدامها بكفاءة ، فهل ما حدث بالبيضاء و مجموعة من المدن كرسا بالفعل هذا الحق الدستوري ؟
إضافة إلى عنصر الشفافية في التدبير ، باعتبارها المدخل الأساسي لتوفير المعلومات الدقيقة في وقتها و إتاحة الفرص للجميع للإطلاع عليها ، من خلال نشرها و تعميمها ، كما أن التضامنية تعد التزاما جماعيا يضمن توسيع دائرة مشاركة المجتمع بجميع فعالياته في تحضير و تنفيذ السياسات العمومية . و تبقى المساءلة أهم الركائز لتكريس هذا المبدأ ، و الواجب العمل على تكريسها و تسييدها فوق الجميع ، و المدخل فتح تحقيق عميق فيما وقع في الآونة الأخيرة بمجموعة من المدن المغربية ، و التي وصلت حد تسجيل وفيات بسبب سوء الأحوال الجوية في بعض المناطق .
من المسؤول الذي يجب أن يحاسب ؟ سؤال بعهدة المشرفين على تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ، ليس كمبدأ دستوري لا محيد عنه اختارته المملكة المغربية منهاجا للحكم ، بل إعطاء هذا المفهوم القوة العملية و الإلزامية حماية للجميع .
















إرسال تعليق