المعرض الدولي للنشر والكتاب بين الوظيفة الرمزية للسياسة الثقافية والاستثمار في اقتصاد الثقافة بالمغرب.
“قراءةفي تحولات الصناعة الثقافية المغربية ”
بقلم : الأستاذ محمد الغياط
اولا : مقدمة
شهدت السياسة الثقافية المغربية خلال العقد الأخير تحولات نوعية في تصورها لوظيفة الثقافة داخل المشروع التنموي الوطني، حيث لم تعد الثقافة مجالاً رمزياً محضاً مرتبطاً بحماية الهوية الوطنية فقط، بل أصبحت رافعة استراتيجية ضمن الاقتصاد الثقافي الإبداعي. ويشكل قطاع النشر والكتاب أحد أهم مكونات هذه الصناعات الثقافية لما يضطلع به من أدوار معرفية واقتصادية وتنموية.
دراسة هذا الموضوع تقتضي تحليل العلاقة بين السياسة الثقافية واقتصاد الثقافة في المغرب من خلال دراسة حالة تظاهرة المعرض الدولي للنشر والكتاب باعتباره نشاطاً رسمياً تنظمه وزارة الشباب والثقافة والتواصل.
أصبح المعرض يؤدي وظيفة مزدوجة تجمع بين نشر المعرفة وتعزيز القراءة من جهة، وتنشيط سوق الكتاب وتحفيز الاستثمار الثقافي من جهة ثانية، رغم استمرار تحديات بنيوية تحد من تحول صناعة الكتاب إلى قطاع اقتصادي .
لقد أصبحت الصناعات الثقافية والإبداعية خلال العقود الأخيرة أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية في العديد من الدول، حيث ساهمت في خلق فرص الشغل وتعزيز الابتكار وتطوير القوة الناعمة للدول (تروسبي Throsby, 2010). وفي هذا السياق، لم يعد قطاع الكتاب مجرد مجال لإنتاج المعرفة، بل تحول إلى قطاع اقتصادي استراتيجي ضمن منظومة الاقتصاد الثقافي العالمي الطوزي( Towse, ا2019).
وفي المغرب، يشكل المعرض الدولي للنشر والكتاب أحد أبرز أدوات السياسة الثقافية العمومية التي تعكس التحول التدريجي في تصور الدولة لدور الثقافة داخل النموذج التنموي الوطني، خاصة بعد انتقال تنظيمه إلى مدينة الرباط ابتداءً من سنة 2022 في إطار استراتيجية تعزيز مكانتها كعاصمة ثقافية وطنية ودولية استعداداً لاحتضان لقب العاصمة العالمية للكتاب سنة 2026.
ثانيا:الإشكالية
ننطلق في دراسة الموضوع من الإشكالية المركزية التالية:
1- إلى أي حد يعكس المعرض الدولي للنشر والكتاب بالمغرب تحول السياسة الثقافية المغربية من وظيفة رمزية لنشر الثقافة إلى وظيفة استثمارية ضمن اقتصاد الثقافة؟
2- كيف تساهم السياسة الثقافية في دعم صناعة الكتاب بالمغرب؟
3- ما دور المعرض في تنشيط الاقتصاد الثقافي المرتبط بالنشر؟
4- ما حدود تأثير المعرض في تطوير سوق الكتاب الوطني؟
5ما التحديات البنيوية التي تواجه صناعة الكتاب بالمغرب؟
ولدراسة هذا الموضوع بشكل منهجي يستوجب الأمر تحليل المؤشرات الإحصائية الرسمية المتعلقة بالتجربة والمقارنة المرجعية مع بعض التجارب لفهم طبيعة العلاقة بين السياسة الثقافية واقتصاد الثقافة من خلال نموذج المعرض الدولي للنشر والكتاب.
اولا: الإطار النظري:
العلاقة بين السياسة الثقافية واقتصاد الثقافة.
تشير السياسة الثقافية إلى مجموع التدخلات العمومية التي تقوم بها الدولة لتنظيم المجال الثقافي ودعمه وتوجيهه بهدف تحقيق التنمية الثقافية وتعزيز المشاركة المجتمعية في الإنتاج الثقافي (Flew, 2021).
أما اقتصاد الثقافة فيشير إلى الأنشطة المرتبطة بإنتاج وتسويق وتوزيع المنتجات الثقافية باعتبارها موارد اقتصادية تساهم في خلق القيمة المضافة وتعزيز التنمية المستدامة (Benhamou, 2017).
وقد أكدت منظمة اليونسكو أن الصناعات الثقافية أصبحت أحد أهم مكونات الاقتصاد العالمي المعاصر لما لها من دور في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية (UNESCO, 2022).
ثالثا : المعرض الدولي للنشر والكتاب كأداة لتنفيذ السياسة الثقافية المغربية:
يشكل المعرض الدولي للنشر والكتاب أحد أهم التظاهرات الثقافية التي تعكس توجهات السياسة الثقافية المغربية في مجال دعم القراءة وصناعة الكتاب، حيث يوفر فضاءً سنوياً يجمع بين المؤلفين والناشرين والقراء والمؤسسات الثقافية الوطنية والدولية.
كما ساهم انتقال تنظيم المعرض إلى مدينة الرباط منذ سنة 2022 في تعزيز موقع العاصمة ضمن الاستراتيجية الثقافية الوطنية الرامية إلى تطوير البنية التحتية الثقافية وإدماج الثقافة ضمن السياسات الحضرية (CESE, 2021).
المؤشرات الإحصائية للمعرض الدولي للنشر والكتاب (2022–2025)
تشير المعطيات الرسمية إلى تسجيل أكثر من 403 ألف زائر خلال دورة 2025، مع مشاركة ما يفوق 750 عارضاً يمثلون أكثر من 50 دولة، وعرض أكثر من 100 ألف عنوان، وهو ما يعكس تنامي الطلب الثقافي على الكتاب بالمغرب( المصدر وزارة الثقافة 2025).
كما بلغت مبيعات الكتب خلال إحدى دورات المعرض الأخيرة أكثر من 120 مليون درهم، وهو مؤشر واضح على تحول المعرض إلى فضاء اقتصادي لتنشيط سوق الكتاب الوطني.
حيث ان المعرض يلعب تدة ادوار في نشر الثقافة وتعزيز القراءة
ويساهم المعرض الدولي للنشر والكتاب في تعزيز الوظيفة الرمزية للسياسة الثقافية من خلال:
1- دمقرطة الولوج إلى المعرفة
يوفر المعرض فضاءً مفتوحاً للقاء المباشر بين الكاتب والقارئ،
2- إمكانية اقتناء الكتب بأسعار مناسبة، مما يساهم في توسيع قاعدة القراء بالمغرب.
3- تعزيز الهوية الثقافية الوطنية
تشارك المؤسسات الثقافية الرسمية سنوياً في المعرض من خلال عرض الإصدارات التراثية والفكرية التي تساهم في تعزيز الوعي الثقافي الوطني (اليونيسكو (UNESCO 2022).
4- تنشيط الحركة الفكرية الوطنية
يشكل المعرض فضاءً للحوار الثقافي من خلال تنظيم الندوات الفكرية واللقاءات العلمية وحفلات توقيع الكتب، وهو ما يساهم في إنتاج رأس مال رمزي ثقافي داخل المجتمع.
رابعا : المعرض الدولي للنشر والكتاب كرافعة للاستثمار في اقتصاد الثقافة .
لم يعد المعرض مجرد نشاط ثقافي رمزي، بل أصبح يشكل منصة اقتصادية لتنشيط قطاع النشر بالمغرب.
1- دعم سوق النشر الوطني
يساهم المعرض في تسويق الإصدارات الجديدة ورفع حجم المبيعات السنوية وتعزيز فرص التعاون بين الناشرين المغاربة ونظرائهم الدوليين .
2- تحفيز الاستثمار الثقافي
يوفر المعرض فضاءً للتفاعل بين الفاعلين الاقتصاديين في قطاع النشر، مما يساهم في تعزيز الاستثمار الثقافي داخل الصناعات الإبداعية.
3- دعم الدبلوماسية الثقافية
يساهم المعرض في تعزيز العلاقات الثقافية الدولية من خلال استضافة دول ضيوف شرف وتنظيم برامج ثقافية مشتركة .
رابعا : مقارنة دعم صناعة الكتاب بالمغرب مع التجارب الغربية.
رغم الجهود المبذولة في دعم قطاع الكتاب بالمغرب، فإن المقارنة مع التجارب الأوروبية، خاصة فرنسا، تكشف وجود تفاوت واضح في مستوى الدعم العمومي لصناعة الكتاب.
تشير الدراسات إلى أن فرنسا تعتمد سياسة دعم شاملة تشمل:
– دعم الترجمة
– دعم النشر
– دعم المكتبات العمومية
– منح التفرغ الإبداعي للمؤلفين
وهو ما ساهم في تحويل صناعة الكتاب إلى قطاع اقتصادي تنافسي داخل الاقتصاد الثقافي الفرنسي (Benhamou,بن همو 2017).
خامسا : التحديات البنيوية التي تواجه صناعة الكتاب بالمغرب.
1- تحديات حقوق المؤلف
تظل عائدات حقوق التأليف محدودة نسبياً، كما تواجه منظومة حماية الملكية الفكرية عدة صعوبات مرتبطة بانتشار القرصنة وضعف آليات التحصيل.
2- تحديات دور النشر
تشمل:
ارتفاع تكلفة الإنتاج
محدودية التوزيع
ضعف السوق القرائية
وهي عوامل تؤثر على القدرة الاستثمارية للناشر المغربي.
3- تحديات قطاع الطباعة
يعاني قطاع الطباعة من ارتفاع تكلفة الورق وضعف الاستثمار التكنولوجي، مما ينعكس على تكلفة إنتاج الكتاب.
4- تحديات القراءة العمومية
تشير التقارير الوطنية إلى استمرار ضعف معدلات القراءة مقارنة بالمعدلات الدولية، وهو ما يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد الثقافي بالمغرب (المجلس الأعلى للتربية والتكوين، 2021).
سادسا : استنتاجات عامة
تكشف لنا الحصيلة أن المعرض الدولي للنشر والكتاب يشكل نموذجاً عملياً لتقاطع السياسة الثقافية مع اقتصاد الثقافة في المغرب، حيث أصبح يؤدي وظيفة مزدوجة تجمع بين نشر المعرفة وتنشيط سوق الكتاب.
غير أن التحول نحو اقتصاد ثقافي تنافسي ما يزال رهيناً بتطوير منظومة دعم المؤلفين وتعزيز شبكات التوزيع وتوسيع البنية التحتية الثقافية.
فالمؤلف لازال هو الحلقة الضعيفة في إنتاج الكتاب لا يستفيد من الناحية المادية وتهضم حقوقه المادية على حساب نفوذ دور النشر ومؤسسات التوزيع وراس المال الرمزي الذي يستفيد منه المؤلف هو حقوق التاليف في المغرب كحماية لمستواه الأدبي اما المنافع المادية فضيلة جدا بالمقارنة مع المجهود الفكري للكاتب ومعاناته ، فاعلية صغيرة الي تمكنا من العيش من مداخيل الكتاب بالمغرب أو من دعندم الوزارة الوصية الذي يوجه بصفة رسمية للناشرين
وتبين أن المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط خلال الفترة 2022–2025 يمثل نموذجاً لتحول السياسة الثقافية المغربية نحو إدماج الثقافة ضمن الاقتصاد الإبداعي، حيث أصبح يشكل منصة وطنية لنشر المعرفة وتنشيط سوق الكتاب في الوقت نفسه. غير أن تحقيق تحول فعلي نحو اقتصاد ثقافي تنافسي في قطاع الكتاب بالمغرب يظل مرتبطاً بإرساء سياسة ثقافية متكاملة تقوم على دعم القراءة العمومية وتعزيز حقوق المؤلفين وتطوير البنية التحتية الثقافية وتحفيز الاستثمار الخاص في الصناعات الثقافية.
سابعا : توصيات علمية للنشر
نقترح :
-1إحداث صندوق وطني لدعم صناعة الكتاب
2- تطوير شبكة المكتبات العمومية
دعم الترجمة والنشر الرقمي
3- تحسين منظومة حقوق المؤلف
4- تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في الصناعات الثقافية
5-احداث مكتب وطني لحقوق التاليف للكتاب المغاربة بقانون كمؤسسسة عمومية تعني بحقوق الكاتب ومنحه دعما ماليا كل ثلاثة أشهر حسب انتاجاه وابداعاه على مدى الحياة ….
محمد الغياط باحث جامعي في مهن الإعلام والصناعة الثقافية
















إرسال تعليق