عبد العزيز صبار طالب باحث بسلك الدكتوراه
يشكل الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة محطة سياسية ومؤسساتية مهمة لاستشراف أولويات المرحلة المقبلة، وتحديد التوجهات الكبرى التي ينبغي أن تؤطر العمل البرلماني في مختلف المجالات، حيث استهل جلالته خطابه السامي بعبارة ” وتاتي هذه الولاية في ظرفية استثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات. وإننا ننتظر أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”.
وهو تاكيد من جلالة الملك على أهمية هذه المرحلة الحافلة بالفرص، فرصة المونديال، فرصة الشراكات الاستثمارية، وفرصة الطي النهائي لملف الصحراء المغربية، والتي ينبغي استثمارها لاستكمال الانجازات و الاوراش الكبرى، كما دعى الى الربط بين الإصلاح المؤسساتي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبين تحقيق النمو وضمان العدالة الاجتماعية والمجالية، مؤكدا ضرورة الانتقال من إعلان البرامج والاستراتيجيات إلى تنفيذها على أرض الواقع، بما ينعكس إيجابا على حياة المواطنين.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوقوف عند أبرز ما تضمنه الخطاب الملكي من محاور اساسية، تتجلى في الاولويات الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والترابية، إلى جانب توجهاته الدبلوماسية والمسؤوليات الملقاة على عاتق المؤسسة التشريعية.
المحور الأول: الهوية الوطنية والإصلاح المؤسساتي
شكل اعتزاز الملك بالهوية الوطنية رسالة إلى جميع المغاربة من أجل تعزيز روح الوطنية وترسيخ المسؤولية الجماعية التي تقتضي مواصلة الإصلاح ومواجهة الاختلالات، فالوطنية لا تنفصل عن جودة الأداء المؤسساتي، بل ترتبط بقدرة المسؤولين والمؤسسات على الوفاء بالتزاماتهم وتحقيق نتائج ملموسة في مجالات التشغيل والخدمات الأساسية، والعدالة الاجتماعية والمجالية.
المحور الثاني: الأولويات الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني
من أبرز أولويات الخطاب الملكي السامي، إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتأمين المواد الأساسية، وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني أمام الأزمات والتحولات الجيوسياسية، عبر تنويع التوريد، وتطوير الإنتاج الوطني، والاستثمار في التكنولوجيا، والارتقاء بالقطاع الخاص إلى فاعل استراتيجي في خلق الثروة وفرص الشغل.
غير أن فعالية هذه الاستراتيجيات لا تقاس بمجرد تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، بل بمدى قدرتها على تحويل هذا النمو إلى مكاسب اجتماعية ملموسة تنعكس إيجابا على مستوى عيش المواطنين. ويتطلب ذلك اعتماد سياسات عمومية متكاملة تستهدف إحداث فرص شغل مستقرة ولائقة، وتحسين مستويات الدخل، وتوسيع نطاق الولوج إلى الخدمات الأساسية، فضلا عن الحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، من خلال معالجة إشكالية بطالة الشباب، وتعزيز ملاءمة منظومة التكوين مع متطلبات سوق الشغل، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها أحد المداخل الأساسية لتحفيز الدينامية الاقتصادية الوطنية.
المحور الثالث: الشباب وإصلاح منظومة التربية والتكوين والإدماج الاقتصادي
احتل الشباب مكانة مركزية في الخطاب الملكي، مما يقتضي جعله في صلب السياسات العمومية، عبر ضمان تكافؤ الفرص، وإصلاح منظومة التربية والتكوين، وتعزيز الإدماج الاقتصادي، والاستجابة لانتظارات الشباب من خلال وضع برامج قابلة للتنزيل والتقييم، بأهداف وآجال ومؤشرات واضحة، لأن الثقة في المؤسسات ترتبط بمدى توفير آفاق واقعية للنمو الاقتصادي والارتقاء الاجتماعي.
المحور الرابع: التنمية الترابية والجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري
يعد المجال الترابي فضاء حاسما لقياس فعالية السياسات العمومية، فنجاح التنمية يتوقف على جودة الخدمات المقدمة والبنيات التحتية، وقدرة الإدارة على التنفيذ، والتنسيق بين جميع الفاعلين والشركاء، وملاءمة المشاريع مع احتياجات المجالات الترابية.
لذلك، أولى جلالة الملك للجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري أهمية خاصة، ودعا إلى تفعيل الاختصاصات، وتوفير الموارد، وتعزيز التنسيق بين الدولة والجهات، كما دعا الإدارة والمنتخبين إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمستويات الترابية، بما يقرب القرار من المواطن، ويحدد المسؤوليات، ويسرع إنجاز المشاريع، لأنه لا يمكن تحقيق التنمية دون تمكين المؤسسات الترابية من الاختصاصات والموارد اللازمة.
المحور الخامس: التوجه الدبلوماسي والتعاون في مجال الهجرة
دبلوماسيا، يعكس الخطاب الملكي توجها نحو إعادة تقييم التعاون في مجال الهجرة، خاصة مع إسبانيا، على أساس المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة، والانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى شراكة استراتيجية تربط الهجرة بالتنمية والاستقرار، مع تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات القانونية والاعتبارات الإنسانية.
المحور السادس: مسؤولية المؤسسة التشريعية والانتداب البرلماني
فيما يتعلق بأعضاء مجلس النواب، أكد جلالة الملك أن الانتداب البرلماني لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد حصيلة انتخابية، بل هو التزام سياسي وأخلاقي تجاه المواطنين، يستوجب الاضطلاع بالمسؤوليات الدستورية والمؤسساتية المرتبطة بممارسة المهام النيابية، ولا سيما المساهمة في التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتتبع تنفيذ البرامج والسياسات العمومية، فضلا عن ضمان التواصل المستمر مع الناخبين.
يتضح من خلال مضامين الخطاب الملكي أن المرحلة المقبلة تقتضي تعبئة مختلف المؤسسات والفاعلين، وتعزيز التنسيق فيما بينهم، بما يضمن التنزيل الفعلي للأوراش التنموية وتحقيق الأهداف المسطرة، كما أن نجاح هذه التوجهات يظل رهينا بمدى الالتزام بالمسؤوليات، وتحسين جودة الأداء المؤسساتي، والاستجابة لانتظارات المواطنين، بما يعزز الثقة في المؤسسات، وتكريس أسس التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والمجالية.
















إرسال تعليق