جمال بلــــة
ما الذي يجنيه المغرب من تنظيم التظاهرات الإفريقية؟ سؤال أصبح مشروعًا، بعد أن تحوّل النجاح في قاموس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إلى عقوبات، وتحول الإتقان إلى ملفات تأديبية، فبدل أن يُكافَأ المغرب على التنظيم المحكم لكأس إفريقيا، من بنية تحتية متطورة وأمن محكم وجماهير منضبطة، وجد نفسه في مواجهة قرارات تأديبية، وكأن الرسالة واضحة: من يُحسن التنظيم يُعاقَب، ومن يُقصّر يُغضّ الطرف عنه.
المغرب لم يكن يومًا منظم حفلات للكاف، بل شريكًا جادًا أنقذ الكرة الإفريقية من الارتجال والعشوائية، ومع ذلك، تتكرر المفارقة نفسها، فالمغرب رفع مستوى التنظيم، والكاف ترد بالعقوبات، فأين كانت هذه الصرامة حين عرفت بطولات أخرى فوضى تنظيمية، وسوء أرضيات الملاعب، وأخطاء تحكيمية فادحة؟ ولماذا تُستحضر القوانين بانتقائية حين يكون المغرب طرفًا؟
الأدهى من ذلك، أن الكاف اختارت أن تُغضّ الطرف عن الانزلاق الخطير الذي شهده سلوك منتخب السنغال، حين سُجّل انسحاب من أرضية الملعب، وتجييش للجماهير، ومواجهات مع عناصر الأمن، وفوضى داخل المدرجات، واستعمال للكراسي في الاعتداء، في مشهد كاد أن يتحول إلى كارثة حقيقية لا تُحمد عقباها، كل هذه الوقائع الخطيرة، التي تهدد سلامة اللاعبين والجماهير ورجال الأمن، لم ترَ فيها الكاف ما يستوجب الحزم والصرامة.
بدل ذلك، ركزت الكاف عدستها على منشفة حارس مرمى، وعلّقت عليها العقوبات المغربية، متجاهلة مربط الفرس الحقيقي، والمتمثل في سلوكيات تُهدد مستقبل الكرة الإفريقية برمته، فالتسامح مع الانسحاب من المباريات، وشرعنة الفوضى، يفتح الباب أمام منطق جديد وخطير، مباريات بوقت مستقطع مفتوح، تخرج فيه الفرق والمنتخبات لشرب القهوة، ثم تعود متى شاءت لإتمام ما تبقى، دون رادع أو محاسبة.
إن أخطر ما في قرارات الكاف ليس العقوبة في حد ذاتها، بل الرسالة التي تبعثها، ومفادها أن الانضباط والتنظيم ليسا أولوية، وأن الفوضى قد تمر بلا حساب، بينما يُعاقَب من التزم بالقانون ووفّر شروط السلامة والنجاح.
الكرة الإفريقية لن تتطور بعقلية المعايير المزدوجة، ولا بإدارة تُدار قراراتها خلف الأبواب المغلقة. إن كانت القوانين تُطبَّق، فيجب أن تُطبَّق على الجميع بعدل وشفافية، لا أن تتحول إلى أداة تُستعمل حسب الهوية والظرف.
أما المغرب، فقد أدى واجبه كاملًا، وقدم نموذجًا يُحتذى به في التنظيم والمسؤولية. ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل تريد الكاف كرة إفريقية آمنة ومنضبطة، أم مباريات تُدار بمنطق الفوضى والارتجال؟ إلى أن يتغير هذا النهج، سيبقى “التكريم بالعقوبات” وصمة في سجل الكاف، لا في سجل المغرب.
















إرسال تعليق