دعم الصحافة بين التكميم والإقصاء أية علاقة للسلطة الرابعة

0

مليكة بوخاري / القنيطرة
إذا كانت رسالة الصحافة هي خلق رأي عام حول قضية من القضايا الهامة التي تشغل بال الرأي العام و المؤسسات إلا أن المطلوب هو تقصي الحقائق اعتمادا على عنصري الشفافية في نقل الأخبار و الالتزام بمعايير العمل الأخلاقي و نقل الصورة الحية التي تحكي الحدث للجمهور بشكل واضح و شفاف .
إلا ان أعلام اليوم الموبوء بسلطة المال و رأس المال و النقد ضمن منطق ليبرالية السوق الهادفة إلى إخضاع الشعوب و الإعلام لسلطة هذا الرأسمال و بالتالي تسليم رقابهم لهاته السلطة مما يشل كل إمكانية للشعوب كما للإعلام في اتخاد أي قرار موجه صوب ضرب هاته المشاريع، و لعل هذا ما يوضح قوة الحضور الإعلامي للصهيونية على الصعيد العالمي من خلال سلطة النقد مند بداية الحملة البونابارتية، و استغلال الصهيونية لانهيار الأموال و الأسهم بعد ذلك لفائدة تريليونات الدولارات التي ذهبت لعائلة روتشيلد و روكفلر و مورجان …، أي الاستفادة من الأزمات الاقتصادية و الحروب .
إذن فاللعبة كلها في النقد و ليس مجرد حديث عن الإنسان في وجوده الاجتماعي – المدني بل أمكنة و فضاءات إيديولوجية، فاضحت بذلك نوثة الصحافة و الإعلام لا تتمثل في الوقائع و الحرية في التعاطي مع هاته الوقائع بل رؤوس الاموال الرمزية و الاستعدادات المبنية او البانية التي تحصل عليها هاته المؤسسات الإعلامية بعيدا عما هو فطري او اصطناعي او ما سماه ابن خلدون بالملكة و سماه بيير بوردو بالهابيتوس.
و الصحافة في المغرب لم تخرج عن هاته القاعدة العامة اعتبارا لواقع الأزمة التي ترزح تحت نيرها حتى قبيل كورونا و التي حولت المشهد الإعلامي إلى مشهد قائم على تمجيد السياسات الحكيمة في كل المجالات الدولتية مبشرة برقينا المصنوع إلى سبع سماوات طباقا مقارنة بباقي الأمم و الوعود الوردية بالرخاء و الرفاه و الشغل للجميع و التقويم الهيكلي و الخوصصة و إصلاح التعليم لنستفيق على الفراغ و لتتحول تلك النظم الإعلامية بعد ذلك لنقد الماضي الذي كانت تطبل له واصفة إياه بالاليم و لتطالبنا بنسيان جراح الماضي و سنوات الرصاص و خنق الحريات و لتبشرنا بالعهد الجديد، فيتبدى حضور المشهد الاعلامي في تقديم طقوس شكلية ليس الا و ان اختلف المكان و الزمان.
ليس مشينا ان يتنبه وزير الثقافة و الشباب و الرياضة “عثمان الفردوس” لوضعية الإعلام و الإعلاميين نتيجة فيروس كورونا و يتحدث عن تكبد هذا القطاع خسائر بلغت 243 مليون درهم نتيجة الوباء وفق ما اورده المجلس الوطني للصحافة مقترحا خمس اجراءات لتدخل الدولة تتعلق بدعم المقروءة و تطوير الدعم العمومي  و تنظيم سوق الاعلان التجاري و تقديم تخفيزات لخلق صناعة اعلامية تنافسية ، و لتبشر الدولة تلك المؤسسات برصد غلاف مالي قدره 200 مليون درهم لدعم الصحافة الورقية و دور الطباعة و شركات التوزيع من خلال أربع إجراءات تتمثل في تخصيص 75 مليون درهم لدعم كثلة الأجور بالصحافة الورقية عن أشهر يوليوز و غشت و شتنبر، و 75 مليون درهما للمقاولات الإعلامية قطاع الصحافة المكتوبة، و 15 مليون درهما للمطبعات التي تطبع أكثر من 500 ألف نسخة كدعم لأجور المناولين، و 10 مليون درهما لشركة التوزيع سبريس، و 15 مليون درهما للاذاعات الخاصة.
و المستفيدون هم رؤوس الأصابع و ضمنهم الجرائد الحزبية التي لا تبيع أية أعداد، كل هذا بدعوى مخطط استعجالي لانقاد هذا القطاع الذي أعتبره البلاغ يطلع بدور مهم في البناء الديمقراطي و هذا الدور يفتح تحته آلاف الخطوط ، علما أن مؤسسات إعلامية تقوم بالدور الإعلامي المطلوب لم تستفد من هذا الدعم و هنا يطرح سؤال حول المعيار المعتمد في تقسيم الغنيمة، و حول السيناريوهات المطلوبة كخدمة مقابل هاته المبالغ و الإجراءات التي أعلنتها الحكومة لدعم هاته المؤسسات.
ان هذا الكرم الدولتي الذي تعامل بالقسمة الضيزى في تقديم الدعم عرى حقيقة العلاقة بين تلك المؤسسات الإعلامية و الاستفادة من الدعم في تحويل ممنهج و سيطرة على خطها التحريري بما يصنع اعلاما تابعا مطبلا للمخططات الحكومية و توسيع دائرة السيطرة و الوصاية على تلك المؤسسات .
ان المطلوب هو الاستثمار في الحقيقة الملتصقة بالواقع العام و إعطاء السلطة الرابعة او صاحبة الجلالة مفهومها الفعلي كسلطة رقابية معرية لسلبيات نمط الحكم و ضامنة لمؤسسات صحية قائمة على العدالة و الحربة و حقوق الإنسان و منفتحة على بناء الانسان كما المؤسسات و تأسيس صحافة الحضور، فهناك من يرمي الكرة أمام أزمته لينقلنا الى وجود عدم مختصين متناسيا ان الازمة هي ازمة مجتمع و ان الابداع ليس وليد صنعة تدرس في المعاهد بل نتاج ممارسة يومية و تنزيل فعلي للنظري على أرض الواقع بعيدا عن كل سلط المنع و القمع و العظام التي توزع للنهش و الالهاء عن صلب دور الإعلام و الاعلاميين، إن المطلوب هو صحافة كما كانت في السابق بها حكماء و علماء و فلاسفة و أدباء خطوا سطورا رائعة داخل المشهد الاعلامي الوطني و العالمي و ليس البكاء، فنحن لسنا بحاجة لشخصيات تبكي بل لشخصيات قوية قادرة و فاعلة و متحررة و متطورة متابعة لكافة الأحداث الكبرى و في جميع المجالات، مرتبطة بالصحافة كرسالة نبيلة لانارة الآخرين و صناعة رأي عام محترم و متتبع إعلامي ثري و ذو جودة عالية و هو ما لا نجده في إعلامنا الوطني الحالي. فالصحافة فن سيكرم فيه المبدعون و سيلفظ فيه المتملقون و الفارغون، فمن السهل أن يقال عن الصحافي انه قائد رأي عام و لكن هذا القائد يحترق لينير درب الآخرين فهل نحن بالفعل أمام هذا الإعلام القائد؟
ان هاته الرسائل التي حاولنا نقلها تبتغي في المقام الأول ركوب رهانات الإعلام، و تعزيز دور المقالات التحليلية و مقالات الرأي ضمانا لاستقلال فعلي للمهنة و تنقية لها من الشوائب التي تلتصق بها و تشوه صورتها و تحول بذلك القلم عن موضعه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: عفوا هدا المحتوى محمي !!